الصفحة 13 من 30

ولاحقٌ لِما تَقَدَّم من قضية الوعي على مفهوم الجهاد، يُبنى قضيتين أخريين هما:

1 -الارتباط مع حلقات ردّة وكفر تُعين الجماعات على قتالها لطاغوت البلد المقصود بالقتال، فهذه قضيةٌ قد مضى فيها المثال والعبرة، ومن لم يعتبر بحوادث الزمان وهي قريبة الوقوع لم يعتبر بشيء من المواعظ والكلمات، وقد قال صلى الله عليه وسلّم: (لاَ يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ) . فهذا شأن المؤمن لأنه صاحب وعيٍّ وعقل، وأمّا غيره فليس بمؤمن، ولذلك يُلدغ مراتٍ ولا يعتبر، وقد كان أحد أساتذتنا يقول لنا:"إن بعض المسلمين أضاف للحديث بعمله كلمةً أخرى، وهي: 'فقط'، فصار الحديث: لا يُلدَغُ المُؤمِنُ مِن جُحرٍ واحدٍ مَرَّتَين فَقَط؛ أي لا بُدَّ أن يُلدغَ كثيرًا، وأكثر من مرتين حتى يحصل اسم الإيمان المدحي."

فالحكومات ليست مؤسساتٍ خيرية لها قلوب المحسنين، وتتأثّر بمناظر الظلم والدماء، وكيف تكون كذلك وهي تفعل هذا الفعل بشعوبها؟ فكيف تحزن لك أيها المسكين ولدمعك، وهي لا تحزن لشعبها ورعاياها؟ إن تفكّرت بهذا علمت أن دينك وعقلك وإيمانك لا تسلم هذه كلها إلا بهجرانك أبواب هذه الحكومات، ولا تقترب منها بحال، ولا تحسن الظن بدموعها، بل هي عندك كما يقولون: دموع التماسيح، وبكاء الكاذبين.

هذا التصوّر واجب التحصيل عند الجماعات حتى يستوي سوقها على جانبٍ من الوحدة على حبل الله تعالى، وإلا فأنت على جرف هار لا تدري متى تسقط وتنهار.

قد يقول قائل: ليس الكفر على مرتبةٍ واحدة، فالجواب نعم، لكن يقال له أنت تعلم حال الناس اليوم، ولا يجوز إنزال الكلام من غير تصوّرٍ صحيحٍ له، فليس هناك من طائفة مرتدّة إلا وهي في اتساقٍ مع الطوائف الأخرى في باب نُّصرة الدين أو عدائه، والشواهد من هذا الزمان لا من غيره كثيرة، والاقتراب منها يدخلك في فلكها لتعمل لها، فتخرج من طاغوتٍ إلى غيره، ويصبح شأنك إنما هو كشأن سنٍ في دولاب، ليس لكَ فيه إلا خدمة الاخرين، ولذلك قطع هذا الباب جزما هو الصواب، ويجب اقرار هذا المعنى حتى يكون لأهل الإسلام شوكةٌ قاهرةٌ يستطيعون من خلالها التعامل مع الآخرين على وجه النديّة والمقارعة، لا وجه التبعية والخدمة والحاجة، وهي صورٌ مهلكةٌ للجهاد ومستقبله، هذا إن كان له مستقبل، فإن الخذلان الإلهي لهؤلاء هو ما رأيناه عاقبة لفعلهم هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت