الصفحة 12 من 30

أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا، ولذلك من الحكمة صِدام الجاهلية ابتداءً والاتكّال على الله تعالى، وترك المناورات في ساحة الخصم حيث هو أكثر قدرةً ووعيًا منا على طبيعة الناس والحركات، وإن لم يقبل الناس هذه النصيحة فالواجب عدم إعطاءِ أيُّ كلامٍ لهؤلاء المرتدين والمشركين والخصوم فيه إيهامٌ لهم بمثل هذه القضايا، فهي خطيرةٌ في دين الله تعالى، وقد يقع المرء في الردّة والكفر وهو لا يشعر كما يقول علماءنا رحمهم الله تعالى، ذلك لأن البعض يقول كلامًا هو على الحد الفارق بين الكفر والإيمان وهو يريد من خصمه أن يفهمه على وجه الكفر من قبيل التُقية، وهذا لا يجوز في الاعتقاد والتصوّر كما هو معلوم في دين الله تعالى، فيكفر وهو يظن أنه يلعب بخصمه وما درى أن الشيطان قد لعب به.

وهذا الكلام نقوله لمن يؤمن بالجهاد كما فرضه الله تعالى في تصوّره الداخلي، لكنه يميل إلى إجراءٍ تكتيكي يناور به الخصم، من أجل تحصيل مصلحة، أو دفع مضرّة، وهذا يمكن كذلك احتمال القول فيه، وخاصةً أنهم يتصوّرون حالهم ضمن جهاد الدفع، ولكن المصيبة هي من يريد أن يجرّ آخرين إلى مرتبته، وهي مرتبةٌ مدحية أجمع أهل العلم عليها، فإن الأخذ بالرخص في هذا الباب مرتبته الجواز، والأخذ بالعزيمة مرتبته الفضل والإحسان، فلا يقال لمن مضى شهيدًا صابرًا، اترك ما أنت عليه لتكون مثلي، ونحن ها هنا نتحدث عن قضية الوحدة، فمن طلبها من آخذ العزيمة يجب عليه إن كان صالح النية أن يرتقي لمستواها، لا أن ينزل بالآخر إلى مرتبته، بل يعلّق وحدته على شرطته، وهو أدنى مرتبةً في الشرع. والقصد بأن التصوّرات السُنيّة للجهاد يجب أن تكون بيّنةً وواضحة، وهي من الصلابة عند الجميع بمكان لا يحتمل تغيرًا، وهذا أقوله وأنا أراقب البعض وهو يخاف سرقة فهمه لهذا الجهاد من قِبَل جماعاتٍ تدعو للوحدة وهي غير سوية الفهم لمعنى الجهاد الشرعي، فيقال له: مالك ولهؤلاء، اتركهم، ولا تقولن أتقوّى بهم اليوم، بل الواقع أن هؤلاء مرضٌ يكمن في داخلك يَبين ويظهر عند المُعضلات والمشكلات والفتن، حينها تكتشف أنك لم تعتصم بـ «حبل الله» ، بل اعتصمت بخيط عنكبوت، وهذا حدث في أطوارٍ متعددةٍ شهدناها، وصفقنا فيها للوحدة ثم تبيّن أن الوحدة كانت طامّة وسبب شرٍ وفساد لهذا السبب الذي ذكرناه، والتفرق بين السُنّة والبدعة وبين الحق والباطل خيرٌ من الوحدة على الجهل والبدعة والضلال، ثم إن الجميع يعلم أن الجهاد نار حامية ومعركة صبر وثبات، وهو أعظم الفتن على النفوس، ومن كان هذا شأنه لم يترك أمرًا شعيفا يؤتى من قبله إن اشتدت حرارة الابتلاء لأنها حينئذٍ ينكشف ضعفها وتكون سبب الخذلان والفساد. فالبيان طرد الشيطان، والوضوح في المفاهيم هو أهم قضايا هذا الباب بعد الإخلاص لله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت