يريد البعض، وبهذا يتضحُّ الفرق في هذا الباب بين من يريد استغلال الدين لمقاصد دنيوية، وبين من يتعامل مع الدين بحسب مقاصد الشرع كما أرادها سبحانه وتعالى من عبيده، ولذلك لا يجوز الوحدة قط مع رافعي شعار الدين مع «المقاصد الجزئية» وهم يعيبون من دعا إلى رُقيِّ الجهاد إلى مقاصده الكلية؛ فأيُّ قتالٍ وطنيٍّ قُطري لا يدعو أصحابه إلى إقامة شرع الله بحجة أن هذه الدعوة تعوق تحصيل هذا المقصد هم في الحقيقة يتعاملون مع الشرع باعتباره نافعًا لا باعتباره دينًا يتعبّد به، وهم يستغلون الشعارات الشرعية من أجل مقاصد دنيوية، وهذه قضيةٌ تصوريةٌ مهمة بها يُفَرّق بين الجهاد في سبيل الله تعالى وبين القتال من أجل ما يقاتل كل الناس عنه كالمال والعرض والأرض، ثم هي مسألةٌ لها ارتدادها العملي على أرض الواقع، فالطائفة المبطلة تذهب بعيدًا في شعاراتها عن الشرع، وهي على استعدادٍ أن تعطي الخصوم الدنية في دينها من قبيل إعلانهم ان قتالهم ليس من اجل اقامة الشرع، ولا هو جهاد اسلامي بل هو جهاد وطني، ثم تبدأ سلسلة التنازلات التي قال الله عنها: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} ، وهي داخلةٌ في قوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} ، ثم تقع هذه الجماعات في الكفر الأكبر والردّة وهي تعلن أن قتالها ليس من أجل الشريعة ولا إقامة حكم الله في الأرض، وهذه بإجماع أهل الاسلام ردّةٌ عن دين الله لا يشك فيها طالب علم.
هذه جماعاتٌ ليست إسلامية وإن تزيّنت باسم الإسلام، وبالتالي لا يجوز الوحدة معها ولا الالتقاء في سبيلها، بل المتوقع إن لم ينجذب أهلها أو بعض قادتها للحق أن تقاتل طائفة الحق أو طوائف الحق بعد ذلك، وهذا قد وقع كثيرًا في هذا العصر. فتصوّر الجماعات لمفهوم الجهاد وما هو أفقه الذي نسعى إليه في الانتهاء وهو حاضرٌ في الابتداء مهمٌ في تحديد المفاهيم التي نبني الوحدة عليها، ومهمٌ في معرفتنا بأنواع الجماعات التي تعيش معنا.
نعم، هناك من يقول، نعمل ولا نعلن، وهذا موقفٌ إجرائيٌّ بحت، يمكن أن يستخدمه البعض، كما يمكن تفهمه وعدم مصادمته لكن هؤلاء يظنون الغباء في الخصم، وكأنهم يتعاملون مع خصومهم باعتبارهم أطفال حضانات يمكن أن يُستغفلوا، وليت الأمر كما يقولون، وليت عدونا كذلك، ولكن الحقيقة أن خصومنا وأعداءنا من الكفار الأصليين والمرتدين أكثر وعيًا منّا، فهم وإن قبلوا منّا بعض السكوت في مرحلة إلا أن سكاكينهم ومكرهم وراء ظهورهم كامن، ولن يقبلوا منك إلا الكفر الأكبر، ولكن خطوة خطوة، وإمامهم في ذلك إبليس، كما قال تعالى: {لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَات الشَّيْطَان} ، وقال تعالى: وَلَوْلَا