من أجل تحقيق سبب واجب لا يكون النصر إلا به على الوجه التام، ومن فهم ذا لم يخبئ تحت ألفاظه مقاصد لا تبيّن لمحدثه أو محاوره، ولا يخفي عنه ما يعلم رجاء توريطه وكسب أرباحٍ عاجلة منه، بل هو مخلصٌ لربه وبالتالي مخلصٌ لإخوانه، فإن حقق النصر بهم أقبل إليه بلا ترددٍ ولا إحجام، وهذا العقد كعقود المسلمين كلها، ينصح فيها العاقد ويؤتمن، وإذا كان سلفنا لا يكتمون عيب البضاعة المبيعة ولو القليل منه إخلاصًا للسائل والشاري فكيف إن تعلق الأمر بأمر دين، به قوام المسلمين ومستقبلهم؟ ولذلك الحديث عن الإخلاص هو حديثٌ عن نظر الناس إلى الاختيارات وما يطرح وما يقبل من قضايا وشؤون، وليس مجرد حديث عن امر قلبي، ولذلك واجب على من أتى إلى هذا العمل الجليل أن يأتي إليه لأنه أمر الله تعالى، لا لأن فيه مصلحته العاجلة، فإن النظر إلى المقاصد الأصلية هو طريق المهتدين، ثم تأتي بعد ذلك المقاصد التبعية كما قال سلفنا رحمهم لله تعالى.
من أخطر ما يطرح في موضوع الجهاد هو تصوّره عند العاملين فيه، ومرات كثيرة يقع الخطأ بين المطلوب السابق على «المقصد الكلي» ، ذلك بأن الجهاد قد ينشأ لسببٍ جزئي حال قريب، يقبل الناس من أجله، فيأتي من يُبطل هذا الجهاد بحجة عدم وضوح المقصد الكلي منه، فالذين نفروا للجهاد إلى البوسنة إنما نفروا من أجل نصرة المسلمين وأعراضهم ضد الأخباث النصارى، وحصل بهذه النفرة من الخير العظيم، فلم يعرف الناس هناك الكثير من الخير والسُنّة إلا بسبب هجرة المجاهدين إليها، وعامّة مواطن الجهاد التي انتشرت كان لسبب قريب جزئي ثم بنيّ عليه الوصول إلى المقصد الكلي وهو إقامة شرع الله تعالى في الأفراد والأُسر وفي الأنفس، حيث ينتشر فقه الدعوة إلى إقامة شرع الله، والفقيه لا يرى تفريقًا بين الأمرين، فهو يأتي إلى الجزئي مخلصًا لله، عالمًا أنه دينٌ أمرنا الشارع به، ثم وهو في سبيل إزالة المفاسد الجزئية ودفع الضرر عن المحاسن الجزئية يعمل للمقصد الكلي، وما حصل من عدم الوصول للمقاصد الكلية من إقامة الخلافة والحكومة الإسلامية في هذه المواطن ليس بسبب العمل لها خارج سُنّتها الظرفية بل لأن سُنّتها الظرفية لم تحضر لها، وفرقٌ بين الأمرين لمن تأمّله، وذلك حين يأتي أحدهم ليزعم أن الدعوة لإقامة الشرع والخلافة معوق لإزالة «الباطل الجزئي» ، يكون هو المعوق حقًا، وهو الجاهل بدين الله تعالى، بل ان الدعوة لهذا المقصد الكلي هو ما يحقق الخير لهذا الموطن وهذا الجهاد، وهو الذي يجعل لهذا الجهاد امتدادًا طويلًا وراء ما يقدر الله تعالى من بقائه، فإن قيل لِمَ لَم يحصل هذا المقصد الكلي، قلت: لغياب الظرف السُنَني لهذا الفعل، ففرقٌ إذًا بين عدم حصوله لغياب سُنّته الملائمة له وبين ترك الدعوة إليه في الابتداء كما