الصفحة 9 من 30

حبل الله أولًا ليتم الوحدة عليه، وقد سبق في بعض الكلمات لكاتب هذا المقال أن قال في بعض مفاتيح القرآن أن الله تعالى كثيرًا ما يبيّن اللفظ وصور وجوده المتعدد في الوجود في الآية الواحدة كما مثّل بإلياس في سورة يوسف، وكما مثل بالحكم القَدَري والشرعي فيها كذلك، والآن نجد هذا بيّنًا في سورة آل عمران وهي التي فيها قوله المجيد: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} ، وقد ذُكر بعد هذا القول قوله تعالى عن اليهود: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ} ، وقد علم ها هنا أن الحبل من الله هو قدره الذي يعطيه الله لمن يحب ولمن لا يحب إن سعى المرء إليه، وهو داخلٌ في قوله تعالى: {كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ} ، فمن سعى لحبل الله القَدَري الموصل إلى المراد الدنيوي أعطاه الله إيّاه، فحبل الغنى هو السعيُّ والكد، وحبل الولد هو الزواج وهكذا، ولذلك لَمّا قال سبحانه تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ} ، دلَّ أن المقصود به أولًا شرعه، وهو كذلك ما أوجبه سبحانه وتعالى قدرًا ملائمًا لهذا المطلوب؛ فالواجب تصوّر هذا الحبل ابتداءً ثم السعيُّ لإيجاده ثم السعيُّ للاعتصام به، فالاعتصام أمرٌ تالٍ في المطلوب كما ترى، وحين يعجز الناس عن تصوّر حبل الله تعالى من دينه وشرعه فإن وصولهم للاعتصام به أشبه بالمحال، وهذا شيءٌ مستقرٌ في فِطر الخلق وبداءة الرأي والعلم والفهم.

وحين تصبح الوحدة ضرورةً ومطلبًا في حال يعني أنها تصبح أكثر وجوبًا في الشرع، وهي تدلُّ كذلك على أن الناس هؤلاء هم أهل وعيٍّ وفهم، وهم ممن استحقوا الدخول إن شاء الله في مُسمّى «أولي الألباب» ، وهذه المفردة من الحكم مشروطةٌ بالخلاص وطلب الفعل على وجهٍ يحقق مقصد الجهاد لا زيادة الإمارة والمأمورين، ولا على أيِّ جهةٍ أخرى غير مهديةٍ في الفهم والنظر، كمن يضع مطالبه الشخصية بغلاف مطالب الدين والتقوى، وهي طريقةٌ معروفةٌ كشفها عليٌّ رضي الله عنه وهو يقول:"كلمة حق أُريد بها باطل."

وفي هذا المقال أرجو من الله التوفيق في بيان بعض معاني هذا الحبل كما أفهمه من كتاب الله تعالى وسُنّة النبي صلى الله عليه وسلّم وخبرة السنين وتجربة الناس ومعرفة أحوالهم، والله المستعان جلَّ في علاه.

من أصول المسلمين أن التوفيق الإلهي لا يكون إلا مع إخلاص النية لله تعالى، وكون العمل لله تعالى لا يتعلق به قبول العمل في الآخرة فقط لكنه سبب سداد العمل ووقوع مقاصده التي شُرّع من أجلها، وذلك بأن من قدم على الوحدة مع الإخوان من أجل رضوان الرحمن لا ينظر إلى مكاسب ذاتية وشخصية وحزبية وتنظيمية له ولإخوانه لكنه يقدم عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت