الصفحة 41 من 47

وفي مواقع تشابهها تختلف مسالك الناظرين، وتتباين طرق المجتهدين؛ ويختص آحادها بدقائقَ استدراكُها من شأن الناظر المجتهد في الفروع. وقد ينتهي الأمر فيها، لدقَّتها وخفائها، إلى منتهى يرجع إلى الحكم بالحدس، ووقوعٍ في النفس يضيق عن التعبير عنها نطاق النطق". (1) ."

أمَّا مراعاة الخلاف وتوظيفها في فقه المآلات، فإضافةً إلى كون التسامح في محل الخلاف معتبرًا مقصودًا في الحال والمآل، فقد تتجلى فائدتها في النظر إلى الأسباب والعلل والمعاني التي استظهر بها المجتهد المخالف في الرأي، فلا شك أن تكون لها مناسبةٌ ما، في وضع الشرع، إذ قلما يلفي المجتهد معنىً مناسبًا وهو لا يلائم الشريعة في صدر أو ورد، فإذا لاحت المناسبة فقلَّما لا يلفى لها في الشريعة معتبر. يقول الغزالي:"فإن قيل: فما مثال المناسب الغريب الذي لا يلائم؟ قلنا: قلَّ ما يتفق في المسائل أمثلتُه؛ فإن المعاني إذا ظهرت مناسبتها فلا تنفكُّ عن التفات الشرع إلى جنسها، في غالب الأمر". (2) وإنما المعوَّل في إلحاقها بالملائم أو عدمه هو الرأي الأغلب. فعند النظر في مآلات الأفعال يجب مراعاة الخلاف والاحتراز عن المفاسد التي عارض بها المخالف في الرأي، في جانب المشروع، والتشوف إلى المصالح التي تطلَّع إليها المخالف وعارض بها، في جانب غير المشروع. ففي هذه المراعاة مساعدة على ضبط موارد المصلحة والمفسدة في مآل الفعل، ومطالعة فقهية مرنة للواقع فيه والمتوقع. (3)

(1) الغزالي، شفاء الغليل، ص 48 - 49 وما قبلها.

(2) الغزالي، شفاء الغليل، ص 76.

(3) انظر الشاطبي، الموافقات، مج 2، ج 4، ص 578.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت