الصفحة 40 من 47

أما الاستحسان فقد اختلفت تعابيرهم في التعريف به، فقال بعضهم: العدول من الدليل الظاهر إلى دليل خفي لوجه يظهر للمجتهد. وقال آخرون: دليل ينقدح في نفس المجتهد تقصر عنه عبارته. (1) بيْدَ أن المعنى الجامع أنه:"العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر، لوجه أقوى يقتضي هذا العدول"، فهو إذًا عملية اجتهادية مصلحية تستهدف ترجيح العمل بدليل الحكم الاستثنائي على العمل بدليل الحكم الأصلي في واقعة معينة. (2) يقول الشاطبي:"إن العلماء صوروا الفرق بين المصلحة المرسلة والاستحسان بأن الثاني استثناء من القواعد" (3) . ويقول:"الاستحسان غير خارج عن مقتضى الأدلة، إلا أنه نظر إلى لوازم الأدلة ومآلاتها". (4) وعلى الرغم من إظهار الشافعيَّة الإنكار على الاستحسان؛ فإنهم قد يعترفون به في بعض إطلاقاتهم. فالغزالي الذي ينكر على الحنفية الاستدلال بدليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعده العبارة عنه، ويقول عنه:"هذا هوس"، وذلك في كتابه (المستصفى) ، (5) فإنه في كتابه (شفاء الغليل) ، عند الحديث عن عود العلَّة على معنى النص بالتخصيص، ذكَرَ ما يجوز من التخصيص وما لا يجوز، ثم قال:"فكل ذلك إنما يُستدرك بالقريحة الصافية، والفطنة المستقيمة."

(1) انظر الكاكي، محمد، جامع الأسرار في شرح المنار، تحقيق فضل الرحمن الأفغاني (مكة المكرمة: مكتبة نزار الباز، ط 1، 1418 هـ/1998 م) ، ج 4، ص 1054 وما بعدها.

(2) انظر كريم، فاروق عبدالله، الاستحسان ونماذج من تطبيقاته في الفقه الإسلامي (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 2012 م) ، ص 52 - 54.

(3) انظر الشاطبي، الاعتصام (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط 1، 1417 هـ) ، ج 2، ص 348.

(4) الشاطبي، الموافقات، مج 2، ج 4، ص 565.

(5) الغزالي، أبو حامد، المستصفى من علم الأصول (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط 1، 1997 م) ، ج 1، ص 215.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت