وقبل أن أجيل نظري، وأحك قلمي في إملاء هذه الورقة؛ فإن بودّي أن أبادر وأمهد بكلمة هي سرّ بعض ما يلفيه القارئ فيها، فأقول: قد يظن ظانٌ أننا نُحاول تلفيق فقهٍ من زلاَّت عبارات العلماء، وأننا بدلًا من أن نُقيلها إياهم قوَّلناهم، وأنه لا قائل بمثل هذه الفنون على هيئتها الجامعة، وأننا نسعى في استحداث بدع من القول والكلم، ما سبقنا بها أحد من العالِمين؛ بل هي شذرات من القول هنا وهناك نتسقطها - برأيهم - من كتابات العلماء، ثم صغناها هذه الصياغة، وألَّفناها هذا التأليف. فدرءًا لهذا الظن، ودفعًا لشهادة الزور، فإني قد عمدت قصدًا إلى صياغة فكرتي بالاعتماد الأساس على مقالات الإمام الجويني رحمه الله، لأثبت أن هذه الفكرة طوع من القول، لا تكلف فيه ولا تصنّع، وأنها تنتظم هيئتها، ويقوم نظامها، ويستقيم نهجها، وتتداعى أمثلتها، من رسم عالم واحد من علماء الأمة. وذلك إذا وجدت للجويني كلامًا في المفردة التي سأكون بصددها. فإن لم أجد ما يشفي الغليل لجأت إلى عبارات تلميذه الغزالي، وإلَّا لجأت إلى ما يتناوله الكتبة في الأصول واشتهر أمره من غير نكير، ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.
فقه التوقع إذا انصرف إلى الفقه الجزئي (الفقه الخاص) اختلف اعتباره، وتباين النظرُ فيه، وفي التماس أبعاد شرعيَّته، والإذن فيه، ونسبته إلى السلف الماضين وسيرة المتشرّعة الأولين. أما إذا أريد منه ما يخص أحكام الإيالات، والنظر في السياسات، وضبط أحوال الولايات (الفقه العام) ؛ فإن أدلة الشريعة، وسيرة التشريع، ووقائع الماضين، وأنظار السلف الأولين، متضافرة عليه تضافرها على الاعتبار لأصل قواعد الإمامة، وأحكام السياسة، وضبط طرق الإمارة، ومناهج الإيالة.