ما يكفينا عناءَ البحث في الشواهد، فسياساته في الإيالة، وتدابيره في الإدارة حافلة بهذا المعنى، دائرة في هذا المدرك، وقد ينتظم منها فنّ هذا الفقه، وقانون هذا المسلك.
لعلَّ إمام الحرمين الجويني (419 - 478 هـ) كان أوَّل من روَّض مدارج الفقه في التوقعات، واستشعر ضرورةَ التفكير في أفضل المآلات، وأسوء الحالات التي يمكن أن تحل بالأمة أو طوائف منها انقطعت عنها شوكة الإمام أو استحرَّت معضلة عامة بجماعة من الجماعات، فاستقبل هذا الفقه، واستفتحه بأحكم المناهج، وأيسر المسالك، ليعمَّ رفع الحرج كل الأزمنة والأعصر، وتفوق مقاصد الشرع وتتجلى، وتعلو راية الشريعة وتترقى، في كلِّ الظروف والأحوال والمستجدّات. فهو بذلك الشاهد الأول على هذا الفقه، وما رسمه في هذا المشرع هادٍ للأصول، ضابط للقواعد، فاتحٌ لساحة الفكر والنظر والاجتهاد. ولقد كان كتابه"غياث الأمم في التياث الظلم"هو الميدان الذي روَّض فيه هذا الفقه، ودرَّب فيه الفقهاء من بعده على فنونه واستعلام معالمه، واستشعار جدواه وفوائده. ولعلَّ قطع الإمام الجويني نفسه بأنه لم يَسبِقْ إليه في اقتحام هذا المعترك أحدٌ، من نابغة العلم، على ممرِّ الأيام، ومكرِّ الأعصار، يشهد لسلامة ما أثبتناه عنوانًا لهذه الفقرة من أن الجويني رائد هذا الفقه ومؤسس صرحه، بامتياز.