أمّا أحكام الإمامة والسياسة فمقتضى وضعها معرفة"الإيالات"، وإدراك الأسرار والنهايات، والتطلع إلى الغايات والأغراض والمآلات،"فالأمور في الولايات إذا لم تؤخذْ من مباديها جرَّت أمورًا يعسر تداركها عند تماديها" (1) ،"ومنع المبادي أهون من قطع المتمادي"، (2) "والركن الأعظم في الإيالة البداية بالأهم فالأهم" (3) ، ومهمَّة الإمام حفظ ما حصل من المقاصد وطلب ما لم يحصل (4) ، لذا كان من شرط الإمام ومن يترشح لهذا المنصب"توقُّد الرأي في عظائم الأمور، والنظر في مغبات العواقب" (5) ، ومن شرط علم الناخب للإمام أن يكون بصيرًا بالإيالات. قال الجويني:"تمهَّد في قواعد الشرع أنَّا نكتفي في كل مقام بما يليق به من العلم ... فالفاضل الفطن المطلع على مراتب الأئمَّة البصيرُ بالإيالات والسياسات ومن يصلح لها متَّصفٌ بما يليق بمنصبه في تخيُّر الإمام" (6) . وليس الناخب ولا المنتخَب في هذا ولا في التطلع إلى العواقب مكلفًا باليقين لأن"معظم مسالك الإمامة عريَّة عن مسالك القطع، خاليةٌ عن مدارك اليقين" (7) . ومن تأمَّل السنن وتقصى السيرة وتتبع أحوال الأئمة الخلفاء لوجد أصول فقه التوقع معملةً غير معطلة، ولارتوى من الأمثلة والنماذج والسوابق. وفي سيرة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في الولايات العامة وإدارة شؤون الخلافة (8)
(1) الجويني، الغياثي، ص 381.
(2) الجويني، الغياثي، ص 329.
(3) الجويني، الغياثي، ص 278.
(4) الجويني، الغياثي، ص 340.
(5) الجويني، الغياثي، ص 263.
(6) الجويني، الغياثي، ص 246 - 247.
(7) الجويني، الغياثي، ص 253.
(8) انظر البشدري، حسن محمد إبراهيم، الفقه المقاصدي عند الإمام عمر بن الخطاب (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 2011) ، ص 55 وما بعدها ..