أمَّا السلف الأولون فكانوا"ينهون عن التعرُّض للغوامض، والتعمُّق في المشكلات، والإمعان في ملابسة المعضلات، والاعتناء بجمع الشبهات، وتكلُّف الأجوبة عمَّا لم يقع من السؤالات" (1) ؛ لذلك يصعب التماس قواعدِ فقهِ التوقع الخاص في تصرفات المتشرعة الأولين،"فإن الصحابة وإن كانوا صدور الدين، وأعلام المسلمين، ومفاتيح الهدى، ومصابيح الدجى، فما كانوا يقدِّمون تمهيد الأبواب وتقديم الأسباب للوقائع قبل وقوعها" (2) ،"ولم تتغشَّهم هواجم المحن والفتن، وكانوا في الزمان الأول لا يضعون المسائل قبل وقوعها" (3) ، فلم يتعرَّضوا لمباحث فقه المسائل المتوقعة ولم يُدْفعوا إليها دفعًا و"لم يعتنوا بمعانيها" (4) ، كما عبَّر الإمام الجويني.
وقال ابن القيم:"قد حكي عن كثير من السلف أنه كان لا يتكلم فيما لم يقع. وكان بعض السلف إذا سأله الرجل عن مسألة قال فيها: هل كان ذلك؟ فإن قال: نعم، تكلَّف له الجواب، وإلاَّ قال: دعنا في عافية."
وقال أحمد لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام.
والحق التفصيل ... فإن كانت بعيدة الوقوع أو مقدرة لا تقع، لم يستحبَّ له الكلام فيها، وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد استحب، لا سيما إن كان السائل يتفقه بذلك، ويعتبر بها نظائرها، فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأولى". (5) "
(1) الجويني، إمام الحرمين عبد الملك بن عبدالله، الغياثي: غياث الأمم في التياث الظلم، تحقيق عبد العظيم الديب (بيروت: دار المنهاج، ط 3، 1432 هـ/2011 م) ، ص 333.
(2) الجويني، الغياثي، ص 485.
(3) الجويني، الغياثي، ص 529.
(4) الجويني، الغياثي، ص 529.
(5) ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق عصام الدين الصبابطي (القاهرة: دار الحديث، ط 1، 1425 هـ/2004 م) ، مج 2، ج 4، ص 461 - 462.