الصفحة 42 من 47

وفي مورد تعارض المصالح وجهاتها، واعتبار الحال فيها أو المآل، وترجيح الأمر الواقع أو المتوقَّع، تتغالب الظنون، والمستمسَكُ الاستظهار بالمعنى الأغلب، ولا ينضبط ذلك بتفصيل متفق عليه في المسائل، ولذلك قال الشاطبي:"ووجه الترجيح في هذا الضرب غير منحصر، إذ الوقائع الجزئية النوعية أو الشخصية لا تنحصر ... بل لابدَّ من ضمائمَ تحتفُّ، وقرائن تقترن بما يمكن تأثيره في الحكم المقرر ... وإذا كان كذلك فوجوه الترجيح جارية مجرى الأدلة الواردة محلَّ التعارض" (1) . وقد يُستعان عليها بالقواعد الفقهية المعروفة.

ولعلَّ أفضل مثال نمثل به في هذا المقام ما يتعلق بالثورة الشعبية من أجل نصب الإمام أو الحاكم الذي تنتظم بنصبه مقاصد الإيالة، وما قد يقتضيه قيام الأمة بهذا الواجب من تضحيات جسيمة في الأنفس والأموال والأعراض؛ فمتى يلزم الإقدام عليها أو الإحجام عنها؟ هذا من مسائل المآلات.

يقول الإمام الجويني:"إنْ علمنا أنَّه لا يتأتَّى نصبُ إمامٍ، دون اقتحام داهيةٍ، وإراقة دماءٍ، ومصادمة أحوالٍ جمة الأهوال، وإهلاك أنفسٍ، ونزف أموالٍ، فالوجه أن يقاس ما الناس مدفوعون إليه مُبتَلَوْن به، بما يُفرض وقوعُه في محاولة دفعه؛ فإن كان الواقع الناجز أكثر مما يقدَّر وقوعه في رَوْم الدفع، فيجب احتمال المتوقَّع، لدفع البلاء الناجز. وإن كان المرتقب المتطلَّع يزيد في ظاهر الظنون، على ما الخلق مدفوعون إليه، فلا يسوغ التشاغل بالدفع؛ بل يتعيَّن الاستمرارُ على الأمر الواقع" (2)

إذا تمهَّد هذا، فإن الذي نلحظه أن قاعدة مآلات الأفعال تأخذ مأخذين: مأخذًا استدلاليًا في فهم المشروعية وفهم الواجب في الواقعة، ومأخذًا تطبيقيًا يتمثل بإيقاع الحكم عليها وهو مأخذ تحقيق المناط.

(1) انظر الشاطبي، الموافقات، مج 2، ج 4، ص 643.

(2) الجويني، الغياثي، ص 278.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت