الصفحة 33 من 47

ومن أمثلة الاعتماد على المصالح المرسلة في فقه المتوقَّع ما قاله الجويني فيما يجب على الأغنياء إذا استحرَّ قحط عام بأهل البلد، فإنه استصلح أن يستظهر كلُّ موسر بقوت سنة، ويصرف الباقي من ماله إلى ذوي الضرورات، يقول الجويني معرفًا بالحالة:"لو بُلي أهل بلد بقحطٍ، وكشَّرت الشدَّة عن أنيابها وبثَّت المَنونُ بدائعَ أسبابها، وعلم من معه بلاغ أنهم لو صفَّروا أيديهم وفرَّقوا ما معهم، لافتقروا افتقارهم" (1) . قال وهو يتعقب بالجواب:"لا نكلفهم أن يُنهوا أنفسهم إلى الضرر الناجز، والافتقار العاجل ... فالوجه عندي ... أن يستظهر كل موسر بقوت سنة، ويصرف الباقي إلى ذوي الضرورات وأصحاب الخصاصات. ولست أقول: إن منقرض السنة يستعقب انْجلاء المحن، وانفصال الفتن على علمٍ أو ظن غالب، ولكن لا سبيل إلى ترك الفقراء على ضُرِّهم. ولا نعرف توقيفًا في الشرع ضابطًا يُنتهى إليه فيما يبذله الموسر وفيما يُبقيه، ورأينا في السَّنَة قواعد شرعية تشير إلى هذه القضية. وفي اعتبار السنة أيضًا حالة ظنية عقلية. فأما أمارات الشرع فأقربها تعلق وظيفة الزكاة بانقضاء السنة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضع لنسائه في أوقات الإمكان قوت سنة. فأما الأمر العقليُّ فقد يُظنُّ أن الأحوال تتبدَّل في انقضاء السنة؛ فإنها مدة الغلات، وأمد الثمرات، وفيها تحول الأحوالُ وتزولُ، وتعتقب الفصول". (2)

(1) الجويني، الغياثي، ص 363.

(2) الجويني، الغياثي، ص 364 - 365.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت