الصفحة 32 من 47

ثانيًا: دليل القياس، والاستدلال (المصالح المرسلة) ، وما يندرج تحتهما من قواعد الجمع والترجيح، عند تدافع العلل والمصالح، وتمانع الحِكَم والمنافع. فقد شُرع القياس لأن النصوص تتناهى، والوقائع المتوقعة لا تتناهى، والمتناهي لا يحيط بغير المتناهي؛ فلفقه المتوقعات تأصَّل القياس، وبعصمتها تمسك الناس. والمصالح المجتلبة سر التطلع إلى العواقب والمآلات، والتحويم على الممكنات، لمعرفة الواقعات والمتوقعات. وإذا تعلق الأمر بالإيالات والسياسات لم يختلف في اعتبار المصلحة المرسلة أحد من القيَّاسين القائلين بالرأي والاعتبار. فكما قال الغزالي:"المختلفون من العلماء في اتباع المصالح لم يختلفوا في اتباع الولاة للمصالح ... وقد نيطتْ بهم نصًا وإجماعًا، وحكِّم في تفصيلها اجتهادُهم". (1) وقد نقل الجويني عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة تمسكهم بالمصلحة المرسلة، يقول:"اختلف العلماء المعتبرون، والأئمة الخائضون في الاستدلال، وهو معنى مشعر بالحكم مناسبٌ له فيما يقتضيه الفكر العقلي، من غير وجدان أصلٍ متفقٍ عليه ... فذهب القاضي وطوائف من متكلمي الأصحاب إلى ردّ الاستدلال، وحصر المعنى فيما يستند إلى أصل. وأفرط الإمام، إمام دار الهجرة مالك بن أنس، في القول بالاستدلال، فرؤي يُثبت مصالح بعيدةً عن المصالح المألوفة والمعاني المعروفة في الشريعة ... وذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة - رضي الله عنهما - إلى اعتماد الاستدلال ... ولكنَّه لا يستجيز الناي والبعد والإفراط، وإنَّما يسوّغ تعليق الأحكام بمصالح يراها شبيهةً بالمصالح المعتبرة وفاقًا، وبالمصالح المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول قارَّة في الشريعة" (2) .

(1) الغزالي، شفاء الغليل، ص 108.

(2) الجويني، البرهان في أصول الفقه (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1418 هـ /1997 م) ، ج 2، ص 161.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت