فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 94

يا من ألوذ به في ما أؤمله ... ومن أعوذ به ممن أحاذره

وجعل في الأمور المحبوبة اللوذ.

فالحاصل أنه يكثر في الاستعمال إطلاق الاستعاذة على الالتجاء بالغير لدفع المكاره، ومنه يقال: العُوذة، ويقال: العَوذة أيضًا، وهي ما يعلق على الصبي أو المرأة أو غيرهما ليدفعوا بزعمهم بذلك ليدفعوا المكروه، يدفعوا تعدي الشياطين، أو يدفعوا العين بزعمهم، وهو أمر لا يجوز.

لكن لماذا قيل لها: عُوذة، وقيل لها عَوذة، بالفتح والضم؟ من أجل هذا المعنى، وهي الأحراز التي تعلق على الآدميين، على أيديهم، أو على رقابهم، ولربما علقت على الدواب بل لربما علقت على الجمادات، كالذي يعلقها بالسيارة أو نحو ذلك مما يخاف عليه.

هذا معنى العَوذ، وإذا كان هذا معناه، فهل يجوز لعبد أن يعوذ بعبد مثله؟

الأقرب والله تعالى أعلم أنه يجوز أن يلاذ بالمخلوق وأن يعاذ به في الأمور التي يقدر عليها، وقد جاء في حديث المخزومية التي سرقت أنها عاذت ببعض أمهات المؤمنين، وكذلك ابن مسعود - رضي الله عنه - حينما كان يضرب غلامًا له فعاذ بالله عز وجل ثم عاذ برسول الله - فأطلقه وتركه، وهناك أدلة أخرى تدل على هذا المعنى لا حاجة لذكرها في هذا المقام.

لكن الذي ينبغي أن يعرف أن الأمور التي لا يقدر على فكاكك منها إلا الله عز وجل لا يجوز أن تستعيذ بالمخلوق، فمن استعاذ بالمخلوق في أمر لا يقدر عليه ولا يطيقه أو لا يعلم أن المخلوق يقدر على ذلك ففعله ذلك من الإشراك، ولهذا قال الله عز وجل (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقًا) ولهذا فإن العلماء عادة يذكرون هذا الموضوع موضوع الاستعاذة يذكرونه في كتاب التوحيد ويجعلون من أنواع الشرك: شرك الاستعاذة، وينبغي هذا أن يقيد بأن يقال: الاستعاذة بمخلوق في أمر لا يقدر عليه أو لا يعلم أنه يقدر عليه، فهؤلاء الذين يعوذون برجال من الجن هم لا يعلمون أنهم يستطيعون ذلك ولم يرخص لهم بهذا، وهذه أمور غيبية لا يعلمها إلا الله عز وجل فيتلاعب بهم الشياطين، ومن ثم فإنهم يقدمون لهم ألوان العبوديات والقرابين من أجل أن يحققوا لهم هذه المطالب.

وأنت حينما تقول: (أعوذ بالله) قولك: أعوذ بالله: الباء هنا تدل على الاستعانة، الباء وهي حرف معنى في مثل هذا الاستعمال لها معانٍ متعددة يهمنا منها هنا أنها للاستعانة، يعني: أنك إذا قلت: أعوذ بالله، أي أنك تلتجئ من هذا المخوف والمكروه مستعينًا بالله عز وجل على دفعه ورده عنك وتخليصك منه، وهذا يعني أن العبد مفتقر إلى ربه تبارك وتعالى ليخلصه من كل المكاره، وهو يدل أيضًا بالضرورة على أن العبد عاجز فقير ضعيف لا يستطيع أن يدفع عن نفسه كيد الشيطان ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه شيئًا من هذه المكاره إلا ما شاء الله عز وجل أن يدفعه عنه، فمن وقع في مكروه أو كربه أو وقع في مصيبة أو في ورطة فما عليه إلا أن يلتجئ مستعينًا بالله عز وجل، هذا معنى الباء (أعوذ بالله) أي مستعينًا بالله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت