الصفحة 65 من 560

ومما يدعم هذا العامل ما ذكره الرواة من أن العرب تعرض أشعارها على قريش؛ فما قبلوه كان مقبولًا، وما ردوه كان مردودًا، فقدم عليهم علقمة بن عَبَدَة التميمي فأنشدهم قصيدته:

هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم

فقالوا: هذه سمط الدهر أي: قلادته.

ثم عاد من العام المقبل، فأنشدهم قصيدته:

طحابك قلبٌ في الحسان طروب

... بُعيد الشبابِ عصر حان مشيب

فقالوا: هاتان سمطا الدهر.

ويدلك على عنايتهم بأمر الفصاحة ما وصل إلينا من نتائج أفكارهم، وبدائع خطبهم وقصائدهم في سوق عكاظ، وسوق مجنة؛ إذ يفدون عليهما في موسم الحج، ويقيمون في سوق عكاظ ثلاثين يومًا، وفي مجنة سبعة أيام يتناشدون ما وضعوه من الشعر، ويتفاخرون بجودة صنعة الكلام.

وعند احتفالهم يضربون قبة للشاعر العظيم في وقته (النابغة الذبياني) ويعرضون عليه منتخبات أشعارهم (1) .

4-العامل السياسي والجغرافي: حيث كانت مكة أبعد المناطق عن صراع الفرس والروم والأحباش؛ فعلى حين تَعَرُّضِ عرب الشام، والعراق واليمن وأطراف الجزيرة إلى الخطر دائمًا من عدوهم، وأنهم قد اختلطوا بالأعاجم مما أدخل في لغتهم الكثير _ نجد أن أهل مكة يعيشون في استقلال، وحرية، وبعد عن الأخطار مما جعل العرب ينظرون إلى مكة وأهلها نظرة تقدير وإجلال.

5_ أيام العرب: وهي الحروب التي كانت تشنها قبائل العرب بعضها على بعض، أو تشنها على الأجانب لأي سبب من الأسباب.

وكان دعامتهم في هذه الحروب الكلام البليغ الذي يلجأ إليه قوادهم، ورؤساؤهم، وساداتهم، وجنودهم؛ للتفاخر، وتعداد المآثر، واستفزاز الهمم، والحث على الشجاعة.

(1) _ انظر حياة اللغة العربية ص16، وفقه اللغة لـ: وافي ص91_93، وفي الأدب الجاهلي د. شوقي ضيف ص131_133، ومحاضرات أ.د. علي البواب على طلاب كلية اللغة العربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت