قد يُقال هنا ما فائدة الانشغال بالمستقبل وهو نوعٌ من الرّجم بالغيب؟ وللإجابة على ذلك أقول إن عمليّة استشراف المستقبل ضروريّة جدًا في بناء تحركاتنا في الحروب القادمة، فالحروبُ قد تنشب في أيّ وقت, والمستعد لها فقط هو من يكون أكثر حظًا في الفوز بنتائجها, وهذا النوع من الدّراسات يُعتبر من الإعداد الجيّد الذي تهتم به الجيوش الحديثة وتُنشَأ له المراكز البحثيّة الضخمة, وتُنفَق عليه الملايين كمؤسّسة"راند"التي تُعنى بالدراسات الاستراتيجيّة في المؤسّسة العسكريّة الأمريكيّة, وغيرها من مخازن الفِكر التي تَجمع المعطيات وتدرُس تاريخ كلّ منطقة على حده, ثمّ تضع توقعاتها وتوصياتها المستقبليّة بناءً على قاعدة المعلومات السابقة ..
ونحنُ عندما نتحدّث عن الحرب المرتقبة في الخليج وامتداداتها في المنطقة فإنّما نتحدث عن حربٍ قد استُعِدّ لها بالفعلِ ومنذ سنين طويلة, ووُضعت لها استراتيجيّات ومراحلُ بحيث لا تصل الأمور إلى حدّ الأزمة كما هو الآن, إلّا بعد أن يكون كلّ طرف قد أخذ أهبته للحرب، والناظر في الخريطة العسكريّة الآن يرى أن أمريكا تمتلك عشرات القواعد العسكريّة على الضفة الغربية من الخليج, وتتمتع بامتيازات خاصّةً في استخدام موارد وأراضي الحلفاء, وبهذه التسهيلات ترفع من قدرتها على تعبئة وزيادة قوّاتها في أيّ لحظة, وقد جاءت هذه الاستعدادات بناءً على قديمة ونظريات -مبدأ كارتر- توقعت نشوب نزاعاتٍ مختلفة في هذه البقعة من العالم, بسبب النفط وموقعها الجغرافيّ المهمّ وتركيبتها السكانية المتباينة فهُم في مجملهم عرب سنّة في مقابل فرس شيعة ..
أما الحديث عن توقّع واستعدادات ايران للحرب فهو حديثٌ ذو شجون, خاصّة أن الإيرانيين قد وصلوا إلى مرحلةٍ متقدمةٍ من خطّتهم الشهيرة التي تحمل اسم"الخطّة الخمسينيّة", وهي الخطّة التي وضعت في الأصل لاحتلال المنطقة ثقافيًا وتجاريًا واجتماعيًا ومن ثمّ عسكريًا، وفيما يلي اقتباسٌ بسيط من الخطّة يُبيّن اهتمامهم الشديد بالمنطقة: (وجيراننا من أهل السنة والوهابيّة هم: تركيا والعراق وأفغانستان وباكستان وعددٍ من الإمارات في الحاشية الجنوبيّة ومدخل الخليج الفارسيّ التي تبدوا دولًا متّحدة في الظّاهر إلا أنّها في الحقيقة مختلفة، ولهذه المنطقة بالذات أهميّة كبرى سواء في الماضي أو الحاضر, كما أنها تعتبر حلقوم الكرة الأرضيّة من حيث النفط، ولا يوجد في العالم نقطة أكثر حساسيّة منها, ويملك حكام هذه المناطق بسبب بيع النفط أفضل إمكانيّات الحياة. . . إن سيطرتنا على هذه الدول تعني السّيطرة على نصف العالم) انتهى ..