وبغضّ النظر عن خلايا الرّصد التي اكتُشفت في الخليج مؤخّرا ومظاهر العداء والاستعداء في المنطقة, فإنّ توقع الحرب لم يكُن وليد مواجهةٍ سياسيّة بسبب ملفٍ نوويّ أو نزاعٍ سياديّ أو غيره, بل هو في الأصل بسبب الموروث العقائديّ لدى الشيعة الإثنى عشريّة والذي بسببه تربّوا وترعرعوا على انتظار مثل هذه الحرب المصيريّة، ومن مشاهداتي الشّخصيّة في هذا الشّأن أننّي عِشت فترةً من عام 2001 في مدينة"مشهد"الإيرانيّة, فلاحظت أنّ المناطق الدّاخليّة في مركز المدينة تتميّز بضيق مساحة الشّوارع بحيث لا يتّسع الشّارع إلّا لعبور سيّارةٍ واحدةٍ صغيرة الحجم فقط! وعندما تساءلت عن السبب قال لي أحد الباحثين في الشّأن الشّيعي أنّ الأمر يعود لاعتقاد الشّيعة أن هناك حربًا ستقوم في المستقبل, وأنّهم سيكونون في مأمن من آليّات ومدرّعات الجيوش إذا قاموا بتضييق شوارعهم بحيث لا تسمح بمرور مثل هذه المدرّعات!!
ومع سخافة هذا التصوّر للوهلة الأولى إلا أنّني قد شاهدت نفس التكتيك في مساحة شوارع حيّ"النخاولة"في المدينة النبوية, وهو الحيّ الذي يقطنه شيعة المدينة, ثمّ تفاجأت أنّ ثقافة الشّوارع الضيّقة منتشرة لدى شيعة المنطقة عمومًا في"القطيف"ومدن جنوب العراق! وقد استفاد شيعة"النّجف"كثيرًا من هذا الأمر أثناء الحملة العسكريّة الأمريكيّة لتأديب جيش"المهدي"هناك، فقد تعذّر على الدبّابات الأمريكيّة دخول بعض نواحي المدينة لضيق الشّوارع فيها، بل وأفلتَ الكثيرون من الحصارات المضروبة بفضل الأنفاق الأرضية بين البيوت, والتي حُفرت لتهريب المطارَدين منذ أيّام صدّام حسين، والمقصود هنا أنّ الشّيعة كانوا يتوقّعون منذ زمنٍ طويلٍ مثل هذه المواجهات التي نتكلّم عنها الآن, ولم يغفلوا عن إعداد أنفسهم وأبنائهم بل وبيوتهم وشوارعهم لمِثل ذلك اليوم المرتقب ..
وفيما يلي عرضٌ لأهمّ الجبهات التي ستكون محور نزاع الصّراع القادم, وأهمّ الخيارات المفتوحة أمام الجماعات الجهادية في كلٍّ منها، وقد تحدثت بإسهابٍ عن الجبهة الأولى لأهميّتها الاستراتيجية في تحديد ملامح وهويّة الصراع, وقد قسّمتُ مناطق النّزاع إلى خمس جبهات, وهي كالآتي:
(1) جبهة شرق جزيرة العرب
(2) جبهة جنوب لبنان
(3) جبهة جنوب غرب سوريا