الصفحة 2 من 25

والصلاةُ والسّلام على الضّحُوك القَتّال

وَبَعد

يقفُ مراقبوا الأرصاد الجويّة في حَيرة هذه الأيّام وهم يحاولون تفسير تقلّبات المناخ العالميّ بازدياد الزلازل ونشاط البراكين, ويقفُ مراقبوا الطقس السياسيّ في حَيرة شديدة أيضًا, أمام تقلبات السّياسة الدوليّة في المنطقة, ويقفون في حَيرة أشدّ وهم يحاولون التّنبؤ بما يمكن أن يحدث!

ومع أن مراقبى الأحوال الجويّة والسياسيّة يضعون تنبؤاتهم وفق تفسيراتهم ثم يختمون كلامهم بـ"الله أعلم", إلّا أن أحدا لن يَنقِم عليهم إن أخطأوا في تنبؤاتهم تلك! لأنها بمثابة تحذيراتٍ لا يكلّف الأخذ بها شيئا، فما الذي يكلّفك إن اصطحبت معك مِظلة للوقاية من الأمطار المتوقعّة لهذا اليوم.؟ لا شيء، كذلك لن يكلّف الكيانات السياسيّةِ الحذر من سيناريو معيّن أي شيء, بل إن من الوظائف الأساسيّة في مؤسّسات الفكر والدراسات الاستراتيجيّة في الغرب أن تعطي وتضَع سيناريوهات معيّنة بأسماء ومواقع وتواريخ في نهاية تقاريرها التي تناقش قضايا متنوعة, وهي ما تسمّى بعمليّة استشراف المستقبل، وتأتي أهميّة هذه العمليّة في أنها تضع أمام السياسيّ مشهدًا تقريبيًا لما يمكن أن يَقَع قبل وقوعه، وبمجرّد ظهور الإشارات الأولى التي تدلّ على صدق هذه التّنبؤات يكونُ هو الوحيدُ المدركُ -أي السياسيّ- لطبيعة الأحداث القادمة, وبالتالي يستطيع أن يبنيَ عليها تحركاته بكل ثباتٍ وثقة. .

وبما أن الحديث هنا يتناول منطقة الصراع الوُسطى من العالم والتي غلب عليها اسم الشّرق الأوسط, فإنّي أودّ أن أبدأ بحادثةٍ تُبيّن مدى حُسن قراءة مراكز البحث الغربيّة لمجريات الأمور على هذه السّاحة قبل وقوعها، حيث نُشرت دراسةٌ في منتصف التسعينيات -تقريبًا- لأحد الخبراء الأمريكيين الباحثين في الشّؤون العراقيّة، فبعد أن أجرى مسحًا شاملًا للعرقيّات والتوجّهات والتقسيمات الشّعبية والمذهبيّة في داخل العراق, توقّع أنّه في حالة حدوث تدخّل عسكريّ أمريكيّ في العراق أن يؤيّد الشيعة في الجنوب هذا التدخل, وكذلك الحال بالنسبة للأكراد في الشمال, وأن العلمانيين السّنة والصوفيّة والعشائر البدويّة لن يشكلوا أيّ مشكلة لأمريكا وسيتوافقُون معها بشكلٍ أو بآخر، أمّا المشكلة فستكون في هذه النقطة بالتحديد -ووضع سهمًا على الخريطة- وذلك لوجود بدايةِ مدّ وهابيّ في هذه المنطقة وهذا يشكّل تهديدًا حقيقيّا للوجود الأمريكي،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت