الصفحة 3 من 25

والحقيقة أن تلك المنطقة التي أشار إليها الخبير الأمريكيّ لم تكن سوى الفلّوجة!! تلك المدينة الصغيرة التي أصبحت عنوانًا للجماعات الجهاديّة ورمزًا لرفض الاحتلال الأمريكيّ، ومع أنّ الجيش الأمريكيّ تجاهل هذه الدراسة أو لم يعلم بها أصلًا, إلا أنّه ندم كثيرا على عدم الأخذ بهذا التحذير المسبق والذي كلفّه تجاهُله الشيء الكثير. .

ومن وَاقع تجربتي الشّخصيّة مع سرعة تغيّر الأحداث في هذه المنطقة بالتحديد, و سرعة تبادل الأدوار فيها بحيث يكون عدوّ اليوم صديق الغد وبالعكس, فلقد يمّمت وجهيَ تِلقاء منطقة شمال العراق -كردستان-, بداية العام 2003م, بعد أن وصلتني تقاريرٌ مشجّعة عن الوضع العسكريّ والإداريّ الجيّد لجماعة أنصار الإسلام هناك, وهي جماعةٌ جهاديّة كانت تقاتل النظام العراقيّ البعثيّ وبعض الفصائل الكرديّة الموالية له, فقُمت ببعض الترتيبات وحزمت حقائبي وغادرتُ الحدود, وقدّر الله أنّي تعرضت للاعتقال في إحدى البلدان وتحفظت عليّ السلطات هناك, ولم أستطع إكمال الطريق, ثمّ مضت الأيام والشّهور وبدأت الاستعدادات الأمريكيّة لغزو العراق, فأصدر الشيخ أسامة بن لادن -حفظه الله- فتوى بوجوب الجهاد في بلاد الرافدين, وأوضح أن القتال ضد القوات الأمريكيّة الغازية وإن كان فيه مصلحة للنظام البعثيّ العراقيّ إلا أنّ -تقاطع المصالح- في هذه الحالة لا بأس به, وشبّه الأمر بتقاطع مصالح الصّحابة معَ مصالح الفُرس في عدائهم للروم أثناء معارك الفتح الإسلاميّ، فتأملت الأمر فوجدته عجبًا! فقد كُنّا نُقاتل النظام العراقيّ بالأمس, واليوم نقاتل معه في خندق واحد!! فخرجت من ذلك بالدرس الأوّل لي في علم السّياسة (ليس هناك عدوّ إلى الأبد, كما أنّه ليس هناك صديق إلى الأبد) ..

إذن نستطيع أن نستخلص ممّا سبقَ أنّ الدارس لهذه المنطقة يجب أن يتجاوز بأفُقه كلّ ما رسخ في أذهان النّاس أنّه ثابتٌ من المواقف السياسيّة والعسكريّة, ليتمكّن من الرؤية بشكل أفضل. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت