فيقال: أين العنقاء لتطلب؟ وأين السمندل ليجلب؟ إذا صح الإسلام لم يرغب أهله إلى دعاء غير الله من العباد والأوثان والأصنام.
وأما قوله:"بل ليس هذا خاصًا بنوع الأموات، فإن الأحياء وغيرهم من الأسباب العادية، كالقطع للسكين والشبع للأكل والري والدفء لو اعتقد أحد أنها فاعلة ذلك بنفسها من غير استنادها إلى الله يكفر إجماعًا".
فيقال: إذا كان إسناد الفعل إليها استقلالًا يكفر فاعله إجماعًا- وهي من الأسباب العادية التي أودع الله تعالى فيها قوة فاعلة- فكيف لا يكفر من أسند ما لا يقدر عليه إلا الله من إغاثة اللهفات، وتفريج الكربات، وإجابة الدعوات إلى غير الله من الصالحين أو غيرهم، وزعم أنهم وسائل، أو أن الله وكّل إليهم التدبير كرامة لهم؟ هذا أولى بالكفر وأحق به ممن قبله.
ويقال للزائغ: أنت لا ترضى تكفير أهل القبور لاحتمال العذر والشبهة، وأنه شرك أصغر، يثاب من أخطأ فيه، فكيف جزمت بكفر من أسند القطع للسكين من غير استناد إلى الله؟ وما الفرق بين من عذرته وجزمت بإثابته وبين من كفرته وجزمت بعقابه؟ ليست إحدى المسألتين بأظهر من الأخرى، وما يقال من الجواب فيما أثبته من الكفر يقال فيما نفيته.
يومًا بجزوء ويومًا بالعقيق ... وبالعذيب يومًا ويومًا بالخليصاء
أي مذهب وافق هواك تمذهبت به.
ويقال: جمهور العقلاء على الفرق بين الأسباب العادية وغيرها، فالشبع والري والدفء أسباب عادية فاعلة، وإنما يكفر من أنكر خلق الله لهذه الأسباب وقال بفعلها دون مدبر عليم حكيم، وهذا البحث يتعلق بتوحيد الربوبية، وأما جعل الأموات أسبابًا يُستغاث بها وتُدعى وتُرجى وتُعظّم على أنها وسائط؛ فهذا دين عبَّاد الأصنام، يكفر فاعله بمجرد اعتقاده وفعله وإن لم يعتقد الاستقلال، كما نص عليه القرآن في غير موضع، فالغلاة معارضون للقرآن مصادمون لنصوصه.