يقول أبو هاشم المذكِّر (5) : أردت البصرة فجئت إلى سفينة أكتريها ، وفيها رجل معه جارية ، فقال الرجل: ليس هاهنا موضع ، فسألته الجارية أن يحملني فحملني ؛ فلما سرنا دعا الرجل بالغذاء فوضع ؛ فقال: أنزلوا ذلك المسكين ليتغذى فأُنزلت على أني مسكين ، فلما تغذينا قال: ياجارية هاتي شرابك ، فشرب وأمرها أن تسقيني ، فقلت: رحمك الله إن للضيف حقًا ، فتركني فلما ذب فيه النبيذ ، قال: يا جارية هاتي العود وهاتي ما عندك فأخذت الجارية تضرب بالعود وتغني وهو يتلذذ بذلك الغناء (وكم من الرجال اليوم يتلذذون بغناء النساء) ثم التفت إلي فقال: أتحسن مثل هذا ؟ فقلت: أحسن خيرًا منه ؛ فقرأت: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْوَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْوَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ { (2) . فجعل الشيخ يبكي ويبكي فلما انتهيت إلى قوله تعالى: } وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ { (3) . قال الشيخ: ياجارية اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى ، وألقى ما معه من الشراب في الماء وكسر العود ،ثم دنا إلي فاعتنقني وقال: يا أخي أترى الله يقبل توبتي ؟ فقلت: } إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ { (4) . قال أبو هاشم: فواخيته بعد ذلك أربعين سنة حتى مات قبلي ؛ فرأيته في المنام ، فقلت له ما صرت؟ قال: إلى الجنة ، قلت: بما صرت إلى الجنة ؟ قال: بقراءتك علي: } وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ { (3) .الله أكبر كم منا قرأ أو سمع } وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ { ولم تؤثر فيه ولم ينته عن ذنوبه وخطاياه ، يا خير أمة أخرجت للناس إلى متى التسويف وهذا ربكم الرحيم بكم يناديكم بقوله: } وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (6) .