وَقَدْ أَفْرَدَ عُلَمَاءُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَضَائِلَ الصِّدِّيقِ بِالتَّصْنِيفِ ، وَأَكْثَرُوا مِنْ إِيْرَادِ الأَحَادِيثِ الْمُبَيِّنَةِ لِمَنَاقِبِهِ وَشَمَائِلِهِ وَأَيَّامِهِ وَخِلافَتِهِ ، وَاسْتَقْصَوْا فِي ذَلِكَ وَاسْتَوْعَبُوا . وَأَصَحُّ ذَلِكَ وَأَثْبَتُهُ عَلَى الإِطْلاقِ: مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فِي « صَحِيحِيهِمَا » ، لاتِّفَاقِ جَمَاهِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى تَلَقِّى الْكِتَابَيْنِ بِالْقَبُولِ .
وَلَيْسَ فِي الْكُتْبِ أَصَحُّ مِنْهُمَا ... بَعْدَ الْقُرَانِ وَلِهَذَا قُدِّمَا
مَرْوِيُّ ذَيْنِ فَالبُخَارِيُّ فَمَا ... لِمُسْلِمٍ ، فَمَا حَوَى شَرْطَهُمَا
وَالْعُشَارِيَّةُ الآنِفَةُ فِي ذِكْرِ مَنَاقِبِهِ ، وَالْمُنْتَقَاةُ مِنْ « صَحِيحِ إِمَامِ الْمُحَدِّثِينَ » هِيَ بَعْضُ الصِّحَاحِ فِي ذَلِكَ وَأَبْيَنُهَا ، وَلَيْسَتْ كُلَّهَا .
وَلَرُبَّمَا أَرَادَ بَعْضُهُمْ الْمُبَالَغَةَ فِي الاسْتِيعَابِ وَالاسْتِقْصَاءِ ، فَخَلَطَ الصَّحِيحَ بِغَيْرِهِ مِنَ الْوَاهِي وَالْمَوْضُوعِ ، وَالْمُخْتَلَقِ وَالْمَصْنُوعِ ، والضَّعِيفِ الْمُنْكَرِ ، وَالْبَاطِلِ الْمُبْتَكَرِ . وَهَذَا الصَّنِيعُ مِمَّا يَجِبُ اجْتِنَابُهُ ، وَبَيَانُ مَا أَخْطَأَ فِيهِ أَرْبَابُهُ ، وَمَا خَالَفُوا فِيهِ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ ، وَالرَّأي الْوَاضِحَ الصَّرِيحَ ، الَّذِي أَعلَى الإِمَامُ أبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي « مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ » مَنَارَهُ ، وَأَوْضَحَ آثَارَهُ ، وَلأَجْلِهِ أَفْرَدَ كَسَلَفِهِ الْبُخَارِيِّ الصَّحِيحَ وَصَنَّفَ ، فَنَصَحَ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلْلْمُسْلِمِينَ وَأَنْصَفَ .