فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 172

تَعَامَى عَنْ ذِكْرِ الرَّحمَنِ فِي قَلبِهِ واستِحْضَارِهِ لعظَمَةِ رَبِّه وجلَالِهِ، فإِنَّه يُقيِّضُ لَهُ الشَّيطانَ، فيَكُونُ هَذَا جَزاءً عَلَى إعرَاضِهِ وتَعَامِيهِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ، وهَذَا كقَوْلِهِ تعَالى: {وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} [الجن: 17] .

فالصَّوابُ أن المُرادَ بذِكْرِ الرَّحمَنِ لَيسَ القُرآنَ، بَلِ المُرادُ بذِكْرِ الرَّحمَنِ ذِكْرُ اللهِ نفسِهِ. يَعْنِي: يَغْفُلُ قَلبُهُ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، ولَا يَذكُرُ اللهَ بقَلْبِهِ، فهَذَا هُوَ الَّذِي يُقيَّض لَهُ الشَّيطانُ فيَتَّبعُ هَوَاهُ، كَمَا قَال عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} .

فإنْ قَال قَائِلٌ: قَولُهُ: {وَمَنْ يَعْشُ} هَلْ هَذَا يَكُونُ بالتَّقصِير فِي أُمُورِ الطَّاعاتِ أَو انتِهَاكِ المُحرَّماتِ؟

فالجَوابُ: لَا، الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى مَسأَلةٍ قَلبيَّةٍ {وَمَنْ يَعْشُ} يَتَعَامَى. فإِذَا صَلَحَ القَلْبُ صَلَحَتِ الجَوارِحُ.

وقَولُهُ: {نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا} قَال رَحَمَهُ اللهُ: [نُسبِّبُ لَهُ] وهَذَا قَرِيبٌ مِنَ المعْنَى المُطابِقِ، وإلَّا فإِنَّ مَعْنَى {نُقَيِّضْ} أَي: نُهيِّئ لَهُ شَيطَانًا يَحُلُّ محَلَّ ذِكْرِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى فيَستَوْلِي الشَّيطانُ عَلَى قَلْبِهِ، والشَّيطانُ يَأمُرُ بالفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ، كَمَا قَال سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: {الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 268] .

{نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا} : {فَهُوَ} أيِ: الشَّيطانَ {لَهُ} أيِ: للعَاشِي عَنْ ذِكْرِ اللهِ {قَرِينٌ} قَال رَحَمَهُ اللهُ: [لَا يُفارِقُه] ، نَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ.

ووجْهُ ذَلِكَ: أن الإنسَانَ فعَّالٌ مُريدٌ مُتحرِّكٌ قلبًا وقالبًا، فلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَشتَغِلَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت