وليس حديثنا أيها الإخوان عن شرف العلم, وإنما حديثنا عن ذلك العلم النافع الذي نريد أن نُحدِّد مَعَالمه, كي نَتَحَلَّى به؛ وذلك أن العلم تارة يكون شريفًا حميدًا له هذه الفضائل والشمائل, وتارة يكون مذمومًا لا يزيد صاحبَه إلا انحطاطًا، وبُعدًا عن الله عزَّ وجلَّ، وانحرافًا عن الصّراط المستقيم.
ونحن إذا تتبَّعنا النصوص الواردة في الكتاب والسنة التي يذكر الله عز وجل فيها العلم نجد أنَّها تارةً تذكر العلم على سبيل المدح، وتارة تذكره على سبيل الذَّم, فمِن ذِكره على سبيل المدح قول الله عز وجل: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] , وهذا استفهام, وهذا النوع من الاستفهام في مثل هذا المقام يكون مُضَمَّنًا معنى النَّفي, ومعنى الآية:"لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون", والقاعدة في هذا الباب -أيها الإخوان-: أنَّ نفي الاستواء في مثل هذه المقامات يُحمَلُ على أَعَمِّ معانيه وأحواله.
فإذا قال: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، أي: لا يستوون, كما قال الله عزَّ وجلَّ في مواضع أخرى في نفي الاستواء: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الحشر: 20] , فيقال في ذلك: لا يستوون في محياهم، ولا يستوون في عملهم، ولا يستوون في مماتهم، ولا يستوون في حال بَعْثهم ونُشُورهم، ولا يستوون في سَيْرهم على الصّراط، ولا يستوون في حال الحساب، ولا يستوون أيضًا المنازل عند الله عزَّ وجلَّ في دار كرامته.