وأجمعوا على قيام الليل، وصيام النهار، وعدم أكل اللحم، وعدم قربان النساء، وزعموا الترهب وهموا بالاختصاء، والتفرغ، فعلمهم الإسلام أن ذلك مضادٌّ لفطرتهم ومضادٌّ لدينهم وأنه رغَّب في الزواج، وبناء الأسرة.
فعن أنس -رضي الله عنه- قال: (( جاء ثلاثة رهط إلى ... فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ــــــ صلى الله عليه وسلم ـــــــ إليهم، فقال: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» [1] .
وكلام النبي ــــــ صلى الله عليه وسلم ـــــــ مؤكِّد لما جاء في القرآن وقد عنَّف رسول الله ــــــ صلى الله عليه وسلم ـــــــ هؤلاء على إرادتهم ترك الزواج مع القدرة، ونبًّه إلى أن من حاول الخروج عن هديه ــــــ صلى الله عليه وسلم ـــــــ، فليس له شرف الانتساب إليه،"فردَّ هذا الحال ردًا مؤكدًا حتى تَبْرَأَ منه" [2] .
وهذا كله يؤكد أن المشروع هو الاقتصاد في العبادات دون الانهماك والإضرار بالنفس، وهجر المألوفات كلها، وأن هذه الملة المحمدية مبنية شريعتها على الاقتصاد والتسهيل والتيسير وعدم التعسير [3] .
(1) سبق تخريجه، ص 33 من هذه الرسالة.
(2) ابن الهمام، فتح القدير، مرجع سابق، 3>188.
(3) الصنعاني، سبل السلام، مرجع سابق، 2>161.