وهنا يظهر أن الغرض من كلامه الجواب الكلي عن المقصود من تشريع الأحكام لا تعريف المقاصد. ومما هو معلوم من كتب العلماء المتقدمين أن المقاصد كان أمرًا جليًا وواضحًا في أذهانهم، سهلًا على أقلامهم، واستحضارها واعتبارها أثناء اجتهاداتهم حاصلٌ، لكنها بقيت متناثرة بين صفحات كتبهم دون جمعها في كتاب خاص بها ولا تعريف محدد لها، ومن بعدهم تنوّعت عبارات المتأخرين في تعريف المقاصد، وسأكتفي بذكر بعض تلك التعاريف مع ما يمكن أن يرد عليها.
عرّف ابن عاشور المقاصد بأنها: المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة،" [1] ، ثم عقّب ذلك بقوله:"فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغايتها العامة والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها، ويدخل في هذا أيضًا معان من الحكم ليست ملحوظةً في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها [2] .
ويلاحظ أن التعريف فيه صفة البيان والتوضيح أكثر من أن يكون فيه صفة التعريف الجامع والمانع، وأيضًا هو مناسب لتعريف المقاصد العامة، فلا يصح لعموم علم المقاصد الشامل لخاصّها وعامّها.
وعرّفها الفاسي: بأنها"الغاية منها، والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها" [3] .
(1) ابن عاشور، محمد بن عاشور، مقاصد الشريعة الاسلامية، تحقيق: محمد الطاهر الميساوي، ط 2، (عمان، دار النفائس،1421 هـ ـ 2001 م) ، ص 251.
(2) المرجع السابق.
(3) الفاسي، محمد علال الفاسي، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، ط 5 (بيروت: دار الغرب الإسلامي- 1993 م) ، ص 7.