الصفحة 39 من 64

ومن المتفق عليه أن هذا الإنسان يصبح مهدر الدم بعد إدانته أمام القضاء، بمثل هذا الجرم، فهل يجوز أخذ شيء من أعضائه ليزرع في جسم إنسان محترم محصن الدم، قد أشرف على الهلاك، وتعين لإنقاذ حياته زرع عضو من غيره في جسده وهنا نجد للفقهاء كلاما عن حكم أكل المضطر من جسم إنسان مهدر الدم.

أما المالكية، فذهبوا إلى منع أكل المضطر لحم الآدمي مطلقًا، قال الدردير في الشرح الصغير: (إلا الآدمي فلا يجوز أكله للضرورة، لأن ميتته سم، فلا تزيل الضرورة) [1] . وقال الصاوي تعليقا: (أي فلا يجوز تناوله سواء كان حيًا أو ميتًا، ولو مات المضطر، وهذا هو المنصوص لأهل المذهب) .

وهذا الذي ذهب إليه المالكية هو الراجح عند الحنفية، على ما ذكره ابن عابدين في حاشيته) [2] .

أما الشافعية، فقد ذهبوا إلى جواز ذلك، نظرًا إلى أن مهدر الدم لا حرمة له، ولا قيمة لحياته فهو في حكم الميت، قال العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام: (لو وجد المضطر من يحل قتله، كالحربي والزاني المحصن وقاطع الطريق الذي تحتم قتله، واللائط والمصر على ترك الصلاة، جاز له ذبحهم وأكلهم، إذ لا حرمة لحياتهم، لأنها مستحقة الإزالة فكانت المفسدة في زوالها أقل من المفسدة في فوات حياة المعصوم) [3] .

وأما الحنابلة، فقد اختلف الرأي في ذلك عندهم، غير أن ما ذكره ابن قدامة في المغني يتضمن ترجيح القول بجواز ذلك، موافقة لما ذهب إليه الشافعي وأصحابه [4] .

والراجح كما رجحه كثير من العلماء هو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية:

(1) الشرح الصغير للدردير, مع حاشية الصاوي عليه: 2/ 184.

(2) انظر حاشية ابن عابدين: 5/ 296.

(3) قواعد الأحكام في مصالح الأنام: 1/ 81.

(4) المغني لابن قدامة: 9/ 419.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت