تحفظه من الإتلاف، ومن الخروج إلى أيدي غير الدولة التي ينتمي إليها الفرد في حياته المعاصرة. وذلك ما أدركه إدراكا كاملا فقيه المقاصد في العصر الحديث الإمام ابن عاشور، لأن من جهات توازن الأمم في علاقاتها جهة الثروة الاقتصادية، فبحسب"نسبة ثروة الأمة إلى ثروة معاصيرها من الأمم تعد في درجة مناسبة لتلك النسبة في قوتها وحفظ كيانها وتسديد مآربها وغناها عن الضراعة إلى غيرها" [1]
الحفاظ على سلامة العقل لأنه مناط التكليف بأحكام الشريعة، أمر لا ينهض وحده في تفسير المقصد الشرعي من الحفاظ على العقل كضرورة من الضروريات الخمس التي تستهدفها الشريعة. وإن الذي ينهض على هذا التفسير، خاصة في عصرنا الحاضر، هو إعادة الاعتبار لإمكانات هذا العقل النقدية والتمكين المختلف لتوظيف إبداعاته، سواء عند التفكير في إشكالات المجتمع أو عند التفقه في مقاصد الشريعة.
و الله الموفق للصواب
الحق أنه لاسبيل للنظر في القضايا المتنوعة والإشكالات المتعددة التي تطرحهاالحياة الإنسانية إلا سبيل السؤال النقدي الذي يستلزم المراجعة المستمرة للأساليب والمفاهيم، والتحقيق الدؤوب للقوانين والنظريات.
رافقتني هذه الحقيقة العلمية مند أول قراءة لكتاب"النقذ الذاتي"لعلال الفاسي [2] ، الرجل الذي أنتج الكثير من الأفهام والأنظاروخلف من ورائه العديد من الدراسات [3] . والقراءات وذلك ليس بغريب على شخصية تاريخية زاوجت بين الكفاءة العملية والقدرة النظرية، واستمرت كذلك حتى لفظت أنفاسها الأخيرة من حياة حافلة بالأحداث، وفي طليعتها الإبعاد والنفي [4] . التي يشكل كتاب النقد الذاتي [5] باكوراتها.
وبسبب خصوصية النظرية النقدية عند علال الفاسي أسلوبا في طرح القضايا والاشكالات المجتمعية، وتصورا في استشراف الحلول المستقبلية، اقتنعت اقتناعا تاما أن بناء سؤال نقدي حولها يقتضي، كما يقول القدماء،"ترتيب مقدمات وتمهيد فصول"، أو قل يستلزم السؤال النقدي في النظرية مهام التأصيل قبل التقويم، لأن
(1) مقاصد الشريعة ص: 185.
(2) (*) ازداد بفاس، 20 يناير 1910 م، وتوفي ببوخاريس عاصمة دولة رومانا، 13 ماي 1974 م.
(3) عبد الرحمان الحريشي، خزانة علال الفاسي، الرباط، المغرب، العالم الثقافي، السنة 26، 27/ 5 / 19935 م ص: 7 و 10.
(4) عبد الكريم غلاب، ملامح من شخصية علال الفاسي، الرباط، مطبعة الرسالة، 1974 م ص: 172.
(5) اعتبر البعض هذا الكتاب"أعظم كتاب خرج في العربية منذ مئات السنين"المرجع نفسه ص: 277.