الصفحة 8 من 38

وعلق بعضهم (إلى المرافق) و (إلى الكعبين) بأسقطوا محذوفًا؛ لأن الأكثر فيما بعد إلى أن لا يدخل في ما قبلها، فلما علق بأسقطوا المحذوف (والإسقاط يكون من المناكب لا من رؤوس الأصابع) لم تدخل في الإسقاط فتدخل في المأمور بغسله.

ويدخل الاعتراض على هذا القول باعتبار (اليد) ؛ فاليد في اعتبار الشرع هي اسم للأكف , بدليل آية السرقة, وما صح باقتصاره صلى الله عليه وسلم بمسح الكفين في التيمم، فلما كان هذا تفسير الأيدي بالأكف عرف بأن إلى غاية للغسل لا للإسقاط [52] .

وعلق ابن هشام على الرأي الأخير بقوله:"وإن سلم فلا بد من تقدير محذوف أيضًا , أي ومدوا الغسل إلى المرافق إذ لا يكون غسل وراء الكف غاية لغسل الكف" [53]

ونرى ابن جني يميل إلى مثل هذا التضمين , فقال ابن جني في وقوع الحروف مكان بعضها:"اعلم أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر , وكان أحدهما يتعدى بحرف , والآخر بآخر فإن العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه إيذانًا بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر , فلذلك جيء معه بالحرف المعتاد مع ما هو في معناه" [54]

وقال في قوله تعالى:"من أنصاري إلى الله", " أي: مع الله , وأنت لا تقول: سرت إلى زيد أي: معه, لكنه إنما جاء:"من أنصاري إلى الله"لما كان معناه: من ينضاف في نصرتي إلى الله فجاز لذلك أن تأتي هنا (إلى) " [55]

والذي نطمئن إليه وجوب دخول المرفقين والكعبين في الغسل، وبقاء (إلى) على بابها في انتهاء الغاية، إذ لا يتعارض هذا مع دخول ما بعدها في الغسل. وما تبيّن لنا أنّ وجوب الدخول إنما جاء في الأساس عند الجمهور لوجود قرينة خارجية فسرت ما جاء في الآية من إجمال، وذلك تجلى من الأحاديث التي أشارت بدخولها، وإن لم تكن كلها صريحة وصحيحة في وجوب الدخول، إلا أنه في المقابل لم يرد حديث واحد وحتى ضعيف في عدم الدخول، وما يقوي ذلك ما جاء من أحكام النحويين في دخول ما بعد إلى في حكم ما قبلها إذا كان من جنسه، وتلك التي تدخل ما بعد (إلى) احتياطا لعدم وجود فاصل محسوس بين الغاية والمغيا، والاحتياط في العبادات أمر مطلوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت