الصفحة 15 من 38

الباء [109] . فظاهر أن العكبري والباقوي اعتبرا زيادة الباء هنا لصالح التركيب، وقدماه على المعنى الذي وجداه فيها من إلصاق أو تبعيض. إلا أن ابن جزي فطن إلى ضرورة المعنى مما دعاه إلى إنكار هذا الموضع من مواضع زيادتها بالكلية.

أما من يعتبر الباء للاستعانة من أهل اللغة فيجد في النص حذفا ًوقلبا ً،؛ وذلك أن المسح لغة لا يقتضي ممسوحا ًبه، خلافا ًللغسل فإنه يقتضيه , فيمكن أن تمسح رأسك بإمرار يدك عليه بدون ماء أو أي شيء آخر، فلما دخلت الباء دلت على وجود الممسوح به، وهو الماء في الوضوء، والمسح يتعدى إلى المزال عنه بنفسه، وإلى المزيل بالباء، فكأنه قال: وامسحوا برؤوسكم الماء، والأصل: وامسحوا رؤوسكم بالماء، فحصل في الجملة حذف الماء وقلب بائه إلى الرؤوس، وذلك فصيح في اللغة فمنه ما أنشده سيبويه:

كنواح ريش حمامة بخديّه ... ومسحت باللّثتين عصف الإثمد

فاللثة هي الممسوحة بعصف الإثمد ولكن قلبت الباء إليها. [110]

ومن هنا نقف على اختلاف العلماء في اعتبار بعضهم أن الآية مجملة، لأنها تحتمل كل الرأس وبعضه، وأن السنة تبين المقصود فيها، فهي ربع الرأس عند الحنفية [111] . وبعضهم اعتبر الآية مطلقة كما قال بهذا الشافعي؛ فهي عنده لم تقصد إلى كمية مخصوصة، وهذا ما ذهب إليه الشوكاني [112] ، والرازي [113] ، القاسمي [114] .

ومن عرض الأدلة النقلية والعقلية للفريقين، نجد أنّ من قال من الفقهاء بمسح كل الرأس إلصاقًا أخذ جانب الحيطة، ومن قال منهم إن مسح بعض الرأس يجزئ أخذ جانب الترخّص، وإن كنا نجد الأدلة النقلية التي اعتمد عليها القائلون بالبعضية يمكن ردّها لكل الرأس كما تم تبيين ذلك، وأما الأدلة اللغوية فقد تمت مناقشتها خلال عرضها في الموضوع، وخاصة فيما أورده القاسمي ومحيي الدين الدرويش من أمثلة وضحت بأنه لا فرق بين وجود الباء وعدمه في إفادة احتمالية التبعيض، فدل على أن الباء أتت لمعنى آخر يبعد احتمالية التبعيض مثلًا. ونرى أن الإلصاق لا يطلق على بعض الشيء إلا مجازا ً، وليس ما يحوجنا في الآية إلى اعتباره مجازا. أما من قال بأن الباء للاستعانة فنجد في حجة ابن جزي وأبي حيان كفاية من التعليق. أما كون الباء الزائدة فلا نرجحه لأن المعنى والحكم سيتغير فيما بعدها، إذ سيعطف"أرجلكم"على محل المجرور بها، وهذا في اللغة ضعيف كما سنفصله في المسألة الآتية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت