تعود مسألة التقنين - وإن كانت غير معروفة بهذا المصطلح عند المتقدمين - إلى مسألة حكم إلزام القاضي بقول واحد يحكم به ولا يتجاوزه وإن خالف اجتهاده، وهي حقيقة التقنين كما تقدم، وهذه المسألة مما اختلف فيها الفقهاء المتقدمون على قولين:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المدخل الفقهي العام 1/ 243 وما بعدها بتصرف، مسيرة الفقه الإسلامي المعاصر وملاحه لشويش المحاميد ص 468، التشريع والفقه في الإسلام للشيخ مناع القطان ص 404.
(2) افتتاحية جريدة أم القرى في عددها الصادر بتاريخ 28/ 2/1346 هـ، بواسطة كتاب التقنين بين التحليل والتحريم ص 15، فقه النوازل للشيخ بكر أبو زيد ص 25.
القول الأول: لا يجوز للحاكم الاشتراط على القاضي بالحكم بمذهب معين، وهذا قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة كما أنه قول القاضي أبي يوسف، ومحمد بن الحسن صاحبي أبي حنيفة، وقال ابن قدامة: ولم أعلم فيه خلافًا، (1) وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد حكى الاتفاق على ذلك. (2)
واستدلوا لذلك بأدلة منها قوله تعالى (فاحكم بين الناس بالحق) (3) والحق لا يتعيّن بالمذهب، وقد يظهر الحق في غير ذلك المذهب. (4) ثم إنه ليس لمن ولي أمرا من أمور المسلمين منع الناس من التعامل بما يسوغ فيه الاجتهاد لما في ذلك من التخفيف على المسلمين، ولهذا كان عمر بن عبدالعزيز يقول: ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالًا وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة. (5)
القول الثاني: يجوز للحاكم أن يلزم القاضي بالحكم بمذهب معيّن، وهذا قول أبي حنيفة وقد خالفه صاحباه كما تقدّم، وقد استدل لذلك