واستدل بحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما:"إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ" [1] .
ثم بدأ في الاحتجاج لمذهبه، فقال:"ذِكْرُ أَحَدِ التَّخْصِيصَيْنِ اللَّذَيْنِ يَخُصَّانِ عُمُومَ الْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ".
وذكر حديث ابن عمر رضي الله عنهما:"إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ [2] لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ" [3] .
(1) تقدم تخريجه: (33) .
(2) القلة هي الجرة الكبيرة، وسميت قلة لأنها تقل بالأيدي أي تحمل. ينظر: النهاية: (4/ 104) . والقلتان 270 لترًا تقريبا. ينظر الفقه الإسلامي وأدلته: (1/ 122) .
(3) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب: ما ينجس الماء، حديث رقم: (63) ، والترمذي في سننه، أبواب الطهارة، باب: منه آخر-ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء-، حديث رقم: (67) ، والنسائي في الصغرى، كتاب الطهارة، باب: التوقيت في الماء، حديث رقم: (52) ، وابن ماجة في السنن، أبواب الطهارة وسننها، باب: مقدار الماء الذي لا ينجس، حديث رقم: (517) ، وابن حبَّان في صحيحه-واللفظ له-، كتاب الطهارة، باب: المياه، ذِكْرُ أَحَدِ التَّخْصِيصَيْنِ اللَّذَيْنِ يَخُصَّانِ عُمُومَ الْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، حديث رقم: (1249) .
-رواه النسائي من طريق: الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ-صدوق: التقريب: (583/ 7452) -، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ-ثقة: التقريب: (471/ 5782) -، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ-ثقة: التقريب: (310/ 3417) -، عَنْ أَبِيهِ. وفي رواية رقم: (328) عن عبيد الله بن عبد اللَّه بن عمر-ثقة: التقريب: (372/ 4310) -، عن أبيه.
-ورواه الترمذي وابن ماجة من طريق: مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ-صدوق يدلس ورمي بالتشيع والقدر، التقريب: (467/ 5725) -، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
-ورواه أبو داود من الطريقين.
-ورواه ابن حبَّان من طريق الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، ثقة: التقريب: (486/ 5992) -، وعن محمد بن جعفر جميعا.
قال ابن عبد البر في التمهيد: (1/ 329) :"وهو حديث يرويه محمد بن إسحاق، والوليد بن كثير جميعا، عن محمد بن جعفر بن الزبير، وبعض رواة الوليد بن كثير يقول فيه عنه عن محمد بن عباد بن جعفر، ولم يختلف عن الوليد بن كثير أنه قال فيه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، يرفعه."
ومحمد بن إسحاق يقول فيه: عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، وعاصم أيضا.
فالوليد يجعله عن عبد الله بن عبد الله، ومحمد بن إسحاق يجعله عن عبيد الله بن عبد الله.
ورواه عاصم بن المنذر-صدوق: التقريب: (286/ 3079) -، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، فاختلف فيه عليه أيضا، فقال حماد بن سلمة-ثقة عابد ... وتغير حفظه بأخرة، التقريب: (177/ 1499) -، عن عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه.
وقال فيه حماد بن زيد-ثقة ثبت فقيه: التقريب: (178/ 1498) -، عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر بن عبيد الله عن عبد الله بن عمر-ثقة: التقريب: (623/ 7979) - ... ومثل هذا الاضطراب في الإسناد يوجب التوقف عن القول بهذا الحديث"."
ثم قال: (335) :"وأما ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين فمذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت في الأثر؛ لأنه حديث قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل".
-فمن أجل هذا الاختلاف في الإسناد رجح بعض العلماء سندا على الآخر.
فقال أبو داود بعد روايته:"وَهَذَا لَفْظُ ابْنُ الْعَلَاءِ، وَقَالَ عُثْمَانُ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ الصَّوَابُ"
وقال أبو حاتم: العلل: (1/ 546) :"محمد بن عباد بن جعفر ثقة، ومحمد بن جعفر بن الزبير ثقة، والحديث لمحمد بن جعفر بن الزبير أشبه".
-كما حاول بعضهم الجمع بين الروايات، فقالوا بأن الحديث مروي بأكثر من إسناد، وكلها صحيحة، ولا مانع من رواية الراوي الحديث عن شيخه بإسناد، ثم يرويه عنه بإسناد آخر ما دام سمعه على الوجهين.
قال ابن حجر في التلخيص الحبير: (1/ 18) :"وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: إسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَمَدَارُهُ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، فَقِيلَ: عَنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَقِيلَ: عَنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَتَارَةً: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَتَارَةً: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ."
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا لَيْسَ اضْطِرَابًا، قَادِحًا فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ مَحْفُوظًا انْتِقَالٌ مِنْ ثِقَةٍ إلَى ثِقَةٍ.
وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ: الصَّوَابُ أَنَّهُ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْمُكَبّرِ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْمُصَغَّرِ، وَمَنْ رَوَاهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَقَدْ وَهَمَ.
وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ-واسمه حماد بن أسامة، ثقة ثبت ربما دلس وكان بأخرة يحدث من كتب غيره: التقريب: (177/ 1487) -، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ"."
قال الخطابي:"وقد تكلم بعض أهل العلم في إسناده من قبل أن بعض رواته، قال عن عبد الله بن عبد الله، وقال بعضهم عبيد الله بن عبد الله، وليس هذا باختلاف يوجب توهينه لأن الحديث قد رواه عبيد الله وعبد الله معا."
وذكروا أن الرواة قد اضطربوا فيه، فقالوا مرة عن محمد بن جعفر بن الزبير ومرة عن محمد بن عباد بن جعفر، وهذا اختلاف من قبل أبي أسامة حماد بن أسامة القرشي.
ورواه محمد بن إسحاق بن يسار عن محمد بن جعفر بن الزبير، فالخطأ من إحدى روايتيه متروك والصواب معمول به وليس في ذلك ما يوجب توهين الحديث""
وقال الدارقطني بعد أن ذكر أسانيد الحديث: (1/ 11) :"فلما اختلف على أبي أسامة في إسناده أحببنا أن نعلم من أتى بالصواب، فنظرنا في ذلك فوجدنا شعيب بن أيوب-صدوق يدلس: التقريب: (267) ، ترجمة رقم: (2794) -قد رواه عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير على الوجهين جميعا، عن محمد بن جعفر بن الزبير، ثم أتبعه عن محمد بن عباد بن جعفر؛ فصح القولان جميعا عن أبي أسامة."
وصح أن الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وعن محمد بن عباد بن جعفر جميعا، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه. فكان أبو أسامة مرة يحدث به عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومرة يحدث به عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر. والله أعلم"ثم روى حديثي شعيب بن أيوب عن الراويين جميعا."
وصححه النووي، وابن حجر، وشاكر، والألباني. ينظر: المجموع: (1/ 162) ، فتح الباري: (1/ 592) ، سنن الترمذي بتحقيق شاكر: (1/ 98) ، وصحيح سنن أبي داود: (1/ 104) .