ثم بيَّن التَّخصيص الأوَّل، فقال:"ذِكْرُ أَحَدِ التَّخْصِيصَيْنِ اللَّذَيْنِ يَخُصَّانِ عُمُومَ تِلْكَ اللَّفْظَةِ التي ذَكَرْنَاهَا" [1] .
وروى حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ:"ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ" [2] .
فهذا الحديث هو الدليل عنده على أنَّ ذلك مخصوصٌ بالفضاء؛ وذلك لاستقبال النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم القبلة في البنيان.
ثم ردَّ قول من استدل بحديث جابر رضي الله عنه على أنَّ هذا الحكم منسوخ، ونسبهم إلى الوهم، وبوب عليه بقوله:"ذِكْرُ خَبَرٍ أَوْهَمَ مَنْ لَمْ يُحْكِمْ صِنَاعَةَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِلزَّجْرِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ" [3] .
ورواه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه، قَالَ:"نَهَى نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا" [4] .
(1) المصدر السابق: (4/ 266) .
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب: من تبرز على لبنتين، حديث رقم: (145) ، ومسلم في صحيحه، كتاب الطهارة باب: الاستطابة، حديث رقم: (266) .
(3) صحيح ابن حبَّان: (4/ 268) .
(4) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب: الرخصة في ذلك-استقبال القبلة عند قضاء الحاجة-، حديث رقم: (13) ، والترمذي في سننه، أبواب الطهارة، باب: الرخصة في ذلك-استقبال القبلة بغائط أو بول-، حديث رقم: (9) ، وابن ماجة في سننه، أبواب الطهارة وسننها، باب: الرخصة في ذلك في الكنيف وإباحته دون الصحاري، حديث رقم: (325) ، وأحمد في المسند، مسند جابر، حديث رقم: (14872) ، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الطهارة، باب: ذكر خبر روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرخصة في البول بعد نهي النبي صلى الله عليه وسلم مجملا غير مفسر، حديث رقم: (58) ، وابن حبَّان في صحيحه، كتاب الطهارة، باب: الاستطابة، ذِكْرُ خَبَرٍ أَوْهَمَ مَنْ لَمْ يُحْكِمْ صِنَاعَةَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِلزَّجْرِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ، حديث رقم: (1420) ، والدارقطني في سننه، كتاب الطهارة، باب: استقبال القبلة في الخلاء، حديث رقم: (162) ، والحاكم في المستدرك، كتاب الطهارة، حديث رقم: (553) .
قال الدارقطني:"كلهم ثقات".
وقال الحاكم:"صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي.
وفي إسناده محمد بن إسحاق، وهو صدوق كثير التدليس-التقريب: (467/ 5725) -وقد صرح بالتحديث عن أبان في رواية أحمد؛ فزال ما يخشى من تدليسه. وباقي الإسناد ثقات.
قال الترمذي:"حديث حسن غريب".
وقال:"سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ". العلل الكبير: (1/ 23) .
وحسنه النووي في المجموع: (2/ 96) ، والألباني في صحيح سنن أبي داود: (1/ 36) .