القول قبل الذي قال من هؤلاء الثلاثة فبئس ما وسموا به من قلدوه دينهم. وقد ذكر محمد بن جرير الطبري أنه وجد للشافعي أربعمائة مسألة خالف فيها الإجماع. وهكذا القول حرفًا حرفًا في أقوال ابن أبي ليلى، وسفيان والأوزاعي وزفر وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زيادة وأشهب وابن الماجشون والمزني وأبي ثور وأحمد وإسحاق وداود ومحمد بن جرير، ما منهم أحد إلا وقد صحت عنه أقوال في الفتيا لا يعلم أحد من العلماء قالها قبل ذلك القائل ممن سمينا. وأكثر ذلك فيما لا شك في انتشاره واشتهاره. ثم ليعلموا أن كل فتيا جاءت عن تابع لم يرو عن صاحب في تلك المسألة قول، فإن ذلك التابع قال فيها بقول، ولا يعرف أن أحدا قاله، فالتابعون على هذا القول الخبيث مخالفون للإجماع كلهم أو أكثرهم، ومخالف الإجماع عند هؤلاء الجهال كافر، فالتابعون على قولهم كفار، ونعوذ بالله العظيم من كل قول أدى إلى هذا. واعلموا أن الذي يدعي، ويقطع بدعوى الإجماع في مثل هذا، فإنه من أجهل الناس بأقوال الناس واختلافهم. وحسبنا الله ونعم الوكيل، فظهر كذب من ادعى أن ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع، وبالله تعالى التوفيق [1] .
الدليل الرابع:
أن القول بتحريم المس ناقل عن الأصل، وقد ذهب أكثر الأصوليين إلى أن الدليل الناقل عن الأصل مقدم على الدليل المبقي على البراءة الأصلية [2] . ... مناقشة الدليل الرابع:
هذا لوكان ما استدل به المانعون استدلالًا صحيحًا، وأدلة المانعون إما صحيحة غير صريحة أو مختلف في صحتها غير صريحة أيضًا.
(1) - - الإحكام لابن حزم 4/ 542 - 543
(2) - انظر روضة الناظر وجنة المناظر، موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة 2/ 401،تحقيق: د. شعبان محمد إسماعيل، بيروت مؤسسة الرياض للطباعة والنشر والتوزيع الطبعة الأولى 1419 هـ/1998 م.