فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 49

ومن أمثلة ما أرشد الشّارع إلى وجه الموازنة فيه، دلالةً لا صراحة، جوازُ الغيبة إذا كانت لمصلحة، كالمشورة والنّصيحة، وذلك أخذًا من قول النبي، صلى الله عليه وسلم، لفاطمةَ بنتِ قيس، رضي الله عنها، عندما استشارته في خِطبة معاويةَ وأبي جهْمٍ لها: «أمَّا أبو جهمٍ، فلا يضع عصاه عن عاتِقه، وأمَّا معاويةُ فصُعلوكٌ لا مال له، انكحي أسامة بنَ زيد» [1] . فهاهنا لم يذكرِ الشّارع صراحةً جواز الغيبة في حال النّصيحة والمشاورة، ولكنَّه ممّا يُستنبط من فعله، صلى الله عليه وسلّم.

وفي أحيانٍ كثيرة، لا سيَّما في المستَجِدَّات من الوقائع، لا نجد نصًَّا للشّارع يدلّ، صراحةً أو دلالةً، على وجه الموازنة بين الأوامر والنواهي والمصالح والمفاسد عند تعارضها وازدحامها؛ فكان هذا بابًا واسعًا من أبواب الاجتهاد، ومجالا فسيحًا لاختلاف الآراء والأنظار، قال ابن تيميّة، رحمه الله: «باب التعارض [بين المصالح والمفاسد] بابٌ واسع جدِّا، لا سيَّما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوّة وخلافة النبوّة، فإنَّ هذه المسائل تكثر فيها، وكُلَّما ازداد النَّقص ازدادت هذه المسائل. ووجودُ ذلك من أسباب الفِتنة بين الأُمَّة، فإنَّه إذا اختلطت الحسنات بالسَّيئات وقع الاشتباه والتّلازم، فأقوامٌ قد ينظرون إلى الحسنات فيرجِّحون هذا الجانب، وإنْ تضمَّن سيئاتٍ عظيمة، وأقوامٌ قد ينظرون إلى السَّيئات فيرجِّحون الجانب الآخر، وإنْ تَرَك حسناتٍ عظيمة، والمتوسِّطون الذين ينظرون الأمرين قد لا يتبيَّن لهم، أو لأكثرهم، مقدارُ المنفعة والمضرّة، أو يتبيَّن لهم فلا يجدون من يُعينهم [على] العمل بالحسنات وترك السيئات؛ لكون الأهواء قارنتِ

(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها، رقم (1480) ، (2/ 1114) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت