فمِن أمثلة ما أرشد الشارع إلى وجه الموازنة فيه صراحةً: فعلُ الكذب إذا احتيج إليه في الإصلاح بين النّاس. فههنا تعارض نهيٌ وأمر، ومفسدةٌ ومصلحة. النّهي والمفسدة هو الكذب، والأمر والمصلحة هو الإصلاح بين النّاس، فأرشد الشّارع الحكيم صراحةً إلى تقديم الأمر على النّهي، والمصلحة على المفسدة، فقال، صلى الله عليه وسلم: «ليس الكذَّاب الذي يُصلح بين النّاس، ويقول خيرًا ويَنْمي خيرًا» [1] .
وكذا في صلح الحديبة أرشد الشّارع إلى قَبول عقد الهدنة، رغم ما فيه من شروط يُنهى المسلم عن قَبولها حالَ السَّعة، وذلك لما في إمضاء هذا العقد من تجنيب المسلمين ارتكابَ مناهٍ أعظم ومفاسدَ أكبر. قال العزّ بن عبد السلام، رحمه الله: «فإن قيل: لِمَ التزم في صلح الحديبية إدخالَ الضَّيْم على المسلمين وإعطاء الدَنِيَّة في الدين؟ قلنا: التزم ذلك دفعًا لمفاسد عظيمة، وهي قتل المؤمنين والمؤمنات الذين كانوا بمكّة لا يعرفهم أهلُ الحديبية، وفي قتلهم مَعرَّةٌ عظيمة على المؤمنين، فاقتضت المصلحة إيقاعَ الصُّلح على أن يُرَدَّ إلى الكفار من جاء منهم إلى المؤمنين، وذلك أهون من قتل المؤمنين الخاملين، مع أنّ الله، عزّ وجلّ، علم أنَّ في تأخير القتال مصلحةً عظيمة، وهي إسلام جماعة من الكافرين، وكذلك قال: {لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} (الفتح: 25) ، أي في مِلَّته التي هي أفضل رحمته، وكذلك قال: {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (الفتح: 25) ، أي لو تفرَّق بين المؤمنين والكافرين، وتميَّز بعضهم من بعض، لعذَّبنا الذين كفروا بالقتل والسّبي منهم عذابًا أليمًا» [2] .
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الكذب وما يُباح منه، رقم: (2605) ، (4/ 2011) .
(2) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام: (1/ 95) .