أخفُّ الضّررين وأشدُّهما: إمّا فعلُ محرّم أو تركُ واجب. ولذلك كان من المطلوب شرعًا تجنّب ارتكاب أيٍّ منهما في ظرف السَّعة والاختيار. ولكن إذا حدث ظرفٌ استثنائي يُحتِّم فعلَ أحدهما سبيلًا لعدم فعل الآخر فقد اقتضى الشرع والعقل كلاهما أن يُفعل منهما ما هو أخفُّ شرًَّا وأقلُّ مفسدة. ومع هذا فقد ينصُّ الشارع على عدم جواز فعلٍ بعينه، حتّى في الظُّروف الاستثنائية، مع أنّ هذا الفعل قد يظهر باديَ الرأي أقلَّ شرًّا وأخفَّ مفسدة من ضِدّه، وأَنَّ إباحته في الظّرف الاستثنائي أجرى مع قياس الشريعة وقواعدِها من حظره. وفي هذه الحالة على المجتهد أن يحكم بمقتضى النّص لا القياس، وأن يعتقد بأنَّ ما وجَّهَ النّص إلى فعله هو أخفُّ الشرين في الحالة الاستثنائية محلّ البحث وإن بدا الأمرُ بخلاف ذلك، وذلك لاتِّفاق الفقهاء على مرجعية الكتاب والسنة في التشريع، وأنّهما الأساس في الموازنة بين المفاسد والمصالح، فإذا دلَّا على شيءٍ لم يُعدل عنه إلى غيره.
قال ابن تيميّة، رحمه الله: «إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد. فإنَّ الأمر والنّهي وإن كان متضمِّنا لتحصيل مصلحةٍ ودفع مفسدة فيُنظر في المعارض له؛ فإن كان الذي يَفُوت من المصالح أو يحصُل من المفاسد أكثرَ لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرَّمًا إذا كانت مفسدتُه أكثر من مصلحته؛ لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قَدَرَ الإنسان على اتِّباع