فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 49

النّصوص لم يَعْدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفةِ الأشباه والنظائر، وقلَّ أن تعوزَ النّصوصُ من يكون خبيرًا بها وبدلالتها على الأحكام» [1] .

وعليه كان من المسلَّم به في قاعدة أخفّ الضّررين أنَّ إعمالها مقيَّدٌ بحالات التّعارض بين المصالح والمفاسد التي لم ينصَّ الشارع على الترجيح فيها. قال ابن حجر، رحمه الله: «وأمَّا من استدلّ به [أي: حديث التقاء موسى بالخضر، عليهما السلام] على جواز دفع أغلظ الضّررين بأخفِّهما، والإغضاء على بعض المنكرات مخافةَ أن يتولَّد منه ما هو أشدّ، وإفسادِ بعض المال لإصلاح معظمه: كَخِصاء البهيمة للسِّمَن، وقطع أذنها لتتميَّز، ومِنْ هذا مُصالحةُ وليِّ اليتيم السّلطانَ على بعض مال اليتيم خشيةَ ذهابه بجميعه، فصحيحٌ، لكنْ فيما لا يُعارض منصوصَ الشّرع، فلا يسوغ الإقدام على قتل النّفس ممّن يُتوقّع منه أن يقتل أنفسًا كثيرةً قبل أن يتعاطى شيئًا من ذلك، وإنّما فَعَلَ الخضر ذلك لإطلاع الله تعالى عليه» [2] .

وممّا رأيته يخطئ فيه بعضُ الخائضين في الردِّ على من استدل بالقاعدة في بعض المسائل الخلافية هو دعواهم بأنّه يُشترط في إعمال القاعدة كونُ اختيار أخفّ الضّررين لا يعارض نصًّا، ثم يبدؤون بحشد النّصوص الدالّة على تحريم ما اعتبره الخصمُ في المسألة الخلافية أخفَّ الضّررين. وهذا خطأ ظاهر، لأنَّه من المسلَّم به في القاعدة أنَّ أخف الضررين محرَّم في الأصل مخالفٌ للنّصوص، ولكنْ ما جَوَّز أو أوجب ارتكابَه هو وجود حالةٍ استثنائية كان ارتكابُه فيها يدفع ضررًا أكبر.

(1) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن تيمية: ص 13.

(2) فتح الباري لابن حجر: (8/ 422) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت