فَقَيْدُ عدم مخالفة النَّص المشترط في إعمال القاعدة ليس هو في ارتكاب أخفّ الشّرين مطلقًا، بل في خصوص الحالة الاستثنائية التي تزدحم فيها المصالح والمفاسد. فإذا دلّ الشّرع في واقعةٍ ما تزاحم فيها شرَّان أنّه لا يجوز فعلُ شرٍّ منهما بعينه، كان هذا منه بيانًا أنَّ هذا الشرّ المنهيَّ عنه هو أعظم الشّرين في الواقعة، وإنْ كان يبدو أحيانًا لبعض الناس أنَّه أخفُّ من الشرِّ المضادّ له.
مثال ذلك التّداوي بالخمر. فالمرض ظرفٌ استثنائي شُرعت له أنواع الرّخص التي منها ما هو ترك واجبٍ في الأصل: كصوم رمضان، والقيام في الصّلاة، والوضوء، ومنها ما هو فعلُ محرَّمٍ في الأصل، ككشف العورة لغرض التداوي. ومع هذا فقد ورد النّص بتحريم التداوي بالخمر، فعن وائلٍ الحضرمي «أنَّ طارق بن سويد الجعفي، سأل النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الخمر، فنهاه، أو كره، أن يصنعها، فقال: إنّما أصنعها للدواء، فقال: إنّه ليس بدواء، ولكنَّه داء» [1] . فظهر أنَّ الصّبر على معاناة المرض، وإن بدا مفسدةً كبيرة، أخفُّ من مداواة هذا المرض بالخمر.
ومع اتّفاق الفقهاء على مرجعية النّصوص في تقرير الأحكام من حيث المبدأ، إلا أنّهم في آحاد المسائل قد يختلفون في اعتبار نصّ ظَنِّيٍّ ما، وقد يكون هذا بسبب عدم اطّلاع بعضهم على النّص، أو بسبب عدم ثبوته عنده، أو معارضته لدليلٍ آخر أقوى منه، من نصٍّ آخرَ أو إجماعٍ أو عمل السَّلف أو قواعد الشرّع، كما تشير إليه بعض اجتهادات الإمامين مالكٍ وأبي حنيفة، رحمهما الله تعالى.
(1) صحيح مسلم: كتاب الأشربة، باب تحريم التداوي بالخمر، رقم (1984) ، (8/ 422) .