فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 49

ففي خصوص مسألة التداوي بالخمر، مثلًا، نجد أنَّ الفقهاء اختلفوا في ذلك، فالمحرِّمون مطلقًا، كالحنابلة والشّافعية والمالكيّة، اعتبروا النَّصَّ الوارد في المسألة واعتمدوا عليه. أمَّا الحنفيّة فأجازوا التّداوي بالخمر للضَّرورة ومسيس الحاجة، وقاسوا ذلك على ما لو غَصَّ بلقمةٍ ولم يجد غيرَ الخمر ليُسيغها، فإنّه يجوز اتّفاقًا، فالضّرورات تُبيح المحظورات، وحملوا الحديث على الحالات التي لا يُعلم فيها كونُ الخمر شفاءً [1] .

وبهذا نلحظ أنَّ اختلاف الفقهاء في تطبيق قاعدة الضّرورة وارتكاب أخفّ الضّررين نجم عن اختلافهم في اعتبار النّصّ الخاصّ الوارد في المسألة بعينها. ولولا النّص لوجدناهم مُطبقين على الجواز وما تقتضيه القواعد والأصول من جواز الترخُّص بذلك للعلاج.

ولنفس السّبب في مسألة التداوي بالخمر نجد المعاصرين اختلفوا في التداوي ببعض الأدوية التي تحتوي على كمِّياتٍ قليلةٍ من الكحول، وكذلك استعمال بعض أجزاء الخنزير في بعض أنواع العلاج. فالمبيحون يستدلّون، في جملة ما يستدلّون به، بقاعدة الضّرورة وارتكاب أخفّ الضّررين، والمحرِّمون يستدلّون بالنّصوص الخاصّة التي وردت بمنع التداوي بالخمر وبالمحرَّمات عُمومًا.

مثالٌ آخر: لبس ثوب الحرير لمن به حِكَّة (بكسر الحاء) ، والخلاف فيه بين المالكيّة والجمهور، ومردُّ الخلاف إلى مدى اعتبار النّص الخاصّ الوارد في المسألة من ترخيص النبيّ، صلى الله عليه وسلم، لبعض الصحابة بلبس الحرير بسبب الحِكَّة.

(1) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية: مادة تداوي، (11/ 118) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت