فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 32

-ولاية يوسف بن تاشفين المغرب بعد أن خلع أبو بكر بن عمر نفسه عن الملك:

لما علم الأمير أبوبكر أحوال يوسف وما هو عليه من الميل إلى نخوة الملك و عز السلطان عزم على تسليم الأمر له، فبعدما وصل إليه تعجب أبو بكر من كثرة عساكره واحتفال هيئته، فأخذ يتكلم مع يوسف في مصالح المسلمين ثم قال له:"يا يوسف أنت ابن عمي ومحل أخي وأنا لا غنى لي عن معاونة إخواننا بالصحراء، ولم أر من يقوم بأمر المغرب غيرك، ولا أحق به منك، وقد خلعت نفسي لك ووليتك عليه فاستمر على تدبير ملكك وأنت حقيق به وخليق له، وما وصلت إليك إلا لإمرتك في بلادك وأسلم لك [الأمر وأعود] في [الصحراء] مقر إخواننا وموضع استيطاننا، فدعا له الأمير يوسف وشكر [وقال له: لك عليَّ] "ألا أقطع أمرًا دونك ولا أستأثر - إن شاء الله - بشيء عليك"وأحضر [أشياخ لمتونة] الصحراويين، وخلع له أبو بكر نفسه، وشهد بذلك بعض العدول وأعيان القبائل، وعاد الأمير أبو بكر إلى أغمات [1] ."

وقد ذكر ابن خلكان أن سبب رجوعه إلى بلاده الجنوبية واستخلافه يوسف على المغرب هو أنه قد سمع عجوزًا في بلاده ذهبت لها ناقة في غارة فبكت، وقالت: ضيعنا أبو بكر بن عمر بدخوله إلى بلاد المغرب [2] .

وهكذا أصبح حكم المغرب بيد يوسف بن تاشفين، وكان هذا الأخير أسمر اللون؛ معتدل القامة؛ نحيف الجسم؛ خفيف العارضين؛ رقيق الصوت؛ أكحل العينين؛ أقنى الأنف؛ له وفرة تبلغ شحمة أذنيه؛ مقرون الحاجبين؛ جعد الشعر؛ وكان رحمه الله بطلا نجدًا شجاعًا حازمًا مهابًا ضابطًا لملكه؛ متفقد الموالي من رعيته؛ حافظا لبلاده وثغوره؛ مواظبًا على الجهاد؛ مؤيدًا منصورًا؛ جوادًا سخيًا زاهدًا في الدنيا متورعًا عادلًا صالحًا؛ وأكله الشعير ولحوم الإبل وألبانها؛ وكان ملكه من مدينة إفراغ أول بلاد الإفرنج قاصية شرق بلاد الأندلس إلى آخر عمل شنترين والأشبونة على بحر المحيط من بلاد غرب الأندلس وذلك مسيرة 33 يومًا طولا؛ وفي العرض ما يقرب من ذلك؛ وملك بالمغرب من بلاد العدوة من جزائر بني مَزغَنَّة إلى طنجة إلى آخر سوس الأقصى إلى جبل الذهب من بلاد السودان.

وقد وفق الله عز وجل هذا الأمير فلم يوجد في بلد من بلاده ولا في عمل من أعماله على طول أيامه رسم مكس ولا معونة ولا خراج لا في حاضرة ولا في بادية إلا ما أمر الله تعالى به وأوجبه حكم الكتاب والسنة من الزكاة والأعشار وجزية أهل الذمة وأخماس غنائم المشركين، وكان رحمه الله يسير في أعماله فيتفقد أحوال رعيته كل سنة، وكان محبا في الفقهاء والعلماء والصلحاء ومقربا لهم صادرًا عن رأيهم مكرمًا لهم [3] .

وهو أول من لقب بأمير المسلمون، وسبب ذلك أن أشياخ القبائل اجتمعوا عليه وقالوا له: أنت خليفة الله في المغرب وحقك أكبر من أن تُدعى بالأمير إلا بأمير المؤمنين، فقال لهم"حاشا لله أن أتسمى بهذا الإسم، إنما يتسمى به الخلفاء وأنا راجل الخليفة العباسي والقائم بدعوته في بلاد الغرب، فقالوا له"لابد من اسم تمتاز به"فقال لهم:"يكون أمير المسلمين" [4] ."

من هنا يظهر لنا مدى تواضع يوسف بن تاشفين، وطاعته للخليفة العباسي، وذلك خير دليل على حبه لوحدة صفوف المسلمين وعدم تفرقهم.

-الأندلس قبل عبور المرابطين إليها:

عرفت الأندلس خلال هذا العصر تقسمًا سياسيا لم يعرف له مثيلا. فقد تمزقت وحدة الأندلس التي كانت تتمثل في الخلافة وتطاحن ملوك الطوائف [5] ، وصارت الحال إلى ما قال ابن الخطيب:

(1) البيان المغرب ج:4 ص: 24 - 25

(2) أنظر وفيات الأعيان ج: 7 ص: 113

(3) أنظر روض القرطاس ج:2 ص: 35 - 38 بتصرف

(4) البيان المغرب ج:4 ص: 28

(5) أنظر التاريخ الأندلسي من خلال النصوص، ص: 94

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت