إفريقية غازيا إلى طنجة، فوجد البربر قد هربوا من المغرب خوفا من العرب، فتبعهم وقتلهم قتلا فاحشا، وسبى منهم سبيا كثيرا، حتى بلغ السوس الأدنى لا يدافعه أحد، فلما رأى البربر ما حلّ بهم استأمنوا وأدوا الطاعة، فقبل منهم وولىّ عليهم واليا، ثم استعمل موسى بن نصير على طنجة طارق بن زياد مولاه، وتركه بها في سبعة وعشرين رجلا من العرب، واثنى عشر ألف فارس وهى العدة التى جعلها عليهم حسان بن النعمان وكانوا قد دخلوا الإسلام، وحسن إسلامهم، فتركهم موسى وانصرف بعسكره من العرب خاصة وكان في خلق عظيم، وأمر العرب السبعة والعشرين الذين ترك عند طارق بن زياد أن يعلّموا البربر القرآن وأن يفقهوهم في الدين.
ثم مضى إلى إفريقية فمر بقلعة مجّانة وانحصر صاحبها منه، فرأى موسى بن نصير فلم يعرض له، فلما نزل القيروان دعا بسر بن أرطاة (1) فعقد على أعنة الخيل، وأمره أن يمضى إلى صاحب قلعة مجّانة. فلما أناخ عليهم عظم عليهم أمر القتال، ونظر الروم من العرب صبرا لم ير مثله قط، فملأهم ذلك رعبا، فألقوا بأيديهم فدخلها، فقتل المقاتلة وسبى الذرية وغنم منها أموالا كثيرة، فكانت تسمى باسمه «قلعة بشر» لا تعرف إلّا به، لأنه هو الذى افتتحها، فأصاب عددا من ولائد ووصفاء وذهبا وفضة، فخمس ذلك وبعث بالخمس إلى موسى بن نصير، وبعث موسى الخمس إلى الوليد فكانت قيمة ذلك الخمس عشرين ألف دينار.
قال: وتحامل أصحاب طارق بن زياد، عامل موسى بن نصير بطنجة على أهل البلد، وأساءوا إليهم وجاروا عليهم فكتبوا إلى أهل الأندلس يعرّفونهم بما يلقونه من جهة البربر وسوء سيرتهم، فكان طارق يوما بطنجة إذ طلعت مراكب، فأكمن لها المسلمون، فلما أرست خرجوا إليها، وأنزلوا أهلها، فقال أهلها: «إنّا إليكم جئنا عامدين فإذا هم
(1) وهو بسر بن أرطاة بن أبى أرطاة القرشى، وقيل بشر وهو أحد قواد معاوية وأكابر أصحابه، غزا طرابلس مع عمرو بن العاصى، فبعثه إلى ودان فافتتحها وفرض على أهلها ثلاثمائة وستين رأسا، ثم خرج مع عقبة بن نافع غازيا، وافتتح قلعة من القيروان على ثلاثة أيام، فعرفت بقلعة بشر اليوم.