فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 234

فقيل لهم: إن نفوسُ المحبِّين وأموالهم ليست لهم، فسلّموا ما وقع عليه العقد؛ فإن الله اشترى مِن المؤمنين أنفسَهم وأموالَهُم بأن لهم الجنَّةَ، وعقدُ التبايع يُوجِبُ التسليمُ مِن الجانبين؛ فلما رأى التجارُ عظمةَ المشتري وقَدْرَ الثمن، وجلالة قَدْرِ مَن جرى عقدُ التبايع على يديه، ومِقدارَ الكتاب الذي أُثْبِتَ فيه هذا العقدُ، عرفُوا أن للسلعة قدرًا وشأنًا ليس لِغيرها من السِّلع، فرأوا مِن الخُسران البَيِّن والغَبْنِ الفاحش أن يبيعوها بثمن بَخْسٍ دَرَاهِمَ معدودة تذهب لذَّتُهَا وشهوتُهَا وتبقى تَبِعَتُهَا وحسرَتُها، فإنَّ فاعل ذلك معدود في جملة السفهاء.

فعقدوا مع المشترى بيعةَ الرِّضوان رضىً واختيارًا مِن غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نَقِيلُكَ ولا نَسْتَقِيلُكَ، فلما تمَّ العقدُ وسلَّموا المبيعَ، قيل لهم: قد صارت أنفُسكم وأموالُكم لنا، والآن فقد رددناها عليكم أوفرَ ما كانت وأضعافَ أموالكم (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) .

لم نبتع منكم نفوسَكم وأموالكم طلبًا للربح عليكم، بل لِيظهر أثرُ الجود والكرم في قبول المعيب والإعطاء عليه أجلَّ الأثمان، ثم جمعنا لكم بين الثمن والمثمَّنِ.

تأمل قصةَ جابر بن عبد الله وقد اشترى منه صلى الله عليه وسلم بعيرَه، ثمَّ وفَّاهُ الثَمَنَ وزادَهُ، ورَدَّ عليه البعير، وكان أبوه قد قُتِلَ مع النبيَّ صلى الله عليه وسلم في وقعةِ أُحُد، فذكَّره بهذا الفعلِ حالَ أبيه مع الله، وأخبره أنَّ الله أحياه، وكلَّمهُ كِفَاحًا وقَالَ: يَا عبدي تَمَنَّ عَلَىَّ، فسبحان مَنْ عَظُمَ جودُه وكرمُه أن يُحيط به علمُ الخلائق، فقد أعطى السلعةَ وأعطى الثمنَ ووفَّقَ لتكميلِ العقد، وقبل المبيعَ على عيبه، وأعاض عليه أجلَّ الأثمانَ، واشترى عبدهَ من نفسه بماله، وجمع له بين الثَّمَنِ والمُثمن وأثنى عليه، ومدحه بهذا العقد، وهو سبحانه الذي وفَّقه لهُ، وشاءه منه )) انتهى كلامه رحمه الله.

والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت