ائذن لي ولا تفتنّي، ولا يقول غرَّ هؤلاء دينهم، ولا يظنُّ أن لن يرجع المؤمنون والمجاهدون إلى أهليهم أبدًا ويظنّ ظن السوء.
بل يستبشر بقلبه، ويسر بهذا العقد والفضل من ربِّه، ومحالٌ أن أن يستبشر بعقدٍ ثم لا يبذل الثمن فيه ولا يسعى في إتمام الصفقة، بل حقيقة الاستبشار بالعقد أن يحرص على إتمامه، ويتضرع إلى المولى جل وعلا أن يعينه عليه وألاَّ يصرفه عنه ويحرمه منه بعد إذ هداه إليه.
وهذه الكلمات بين يدي كلامٍ نفيسٍ لابن القيم رحمه الله في هذه الآية آثرت أن أنقله بطوله:
قال رحمه الله: (( وأخبر سبحانه أنه(اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) وأعاضهم عليها الجنةَ، وأن هذا العقد والوعد قد أودعه أفضلَ كتبه المنزَّلة مِن السماء، وهى التوراة والإنجيل والقرآن، ثم أكد ذلك بإعلامهم أنه لا أحدَ أوفى بعهده منه تبارك وتعالى، ثم أكد ذلك بأن أمَرَهُم بأن يستبشِروا ببيعهم الذي عاقدوه عليه، ثم أعلمهم أن ذلك هو الفوزُ العظيمُ.
فليتأملِ العاقِد مع ربه عقد هذا التبايعِ ما أعظمَ خطَرَه وأجلَّه، فإن الله عَزَّ وجَلَّ هو المشتري، والثمن جنَّاتُ النعيم والفوزُ برضاه والتمتع برؤيته هناك، والذي جرى على يده هذا العقدُ أشرفُ رسله وأكرمُهم عليه مِن الملائكة والبَشر، وإن سِلْعَةً هذا شانُها لقد هُيِّئَتْ لأَمرٍ عَظِيمٍ وخَطْبٍ جَسيمٍ:
قد هيئوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهملِ
مَهْرُ المحبةِ والجَنَّةِ: بذلُ النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين، فما للِجبان المُعرِضِ المُفْلِس وسَوْمِ هذه السلعة؟!!
باللَّهِ ما هزُلت فيستامها المفلسون، ولا كَسَدَت فيبتاعها بالنسيئة المُعْسِرُونَ، لقد أقيمت للعرض في سوق مَن يزيد، فلم يرضَ رَبُّهَا لها بثمن دون بذل النفوس؛ فتأخر البطَّالون وقام المحبُّونَ ينتظرون أيُّهُم يصلُح أن تكون نفسُه الثمن، فدارت السِّلعة بينهم، ووقعت في يد (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) لما كَثُرَ المدَّعون للمحبة: طُولِبُوا بإقامة البيِّنة على صحة الدعوى، فلو يُعطى الناسُ بدعواهم لادَّعى الخليُّ حِرْفَةَ الشّجيِّ.
فتنوع المدعون في الشهودِ، فقيل: لا تثبُتُ هذه الدعوى إلا بِبينَّةِ (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) فتأخر الخلقُ كُلُّهم، وثبت أتباعُ الرسول في أفعالهِ وأقوالهِ وهديه وأخلاقِه، فطُولِبُوا بعدالة البَيِّنة، وقيل: لا تُقَبلُ العدالةُ إلا بتزكية (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) ؛ فتأخر أكثرُ المدعين للمحبة، وقام المجاهِدونَ.