والناظر المتفحّص في المقاييس يجد أن الكم الأكبر من مادته: ألفاظًا ومعاني مستقاة من مصدريه الرئيسين: العين والجمهرة، فقد أكثر ابن فارس من النقل عنهما واقتباس ما ورد فيهما، بحيث تبدو بقية كأنها بالفعل مصادر ثانوية. ولا تكاد تخلو صفحة من المقاييس من ذكر للخليل وابن دريد.
ومما تجدر الإشارة إليه أن جعل بعض الدراسين ابن فارس من المعدودين على المذهب الكوفي (البغدادي) (2) ، غير أنه لم يُظهر تعصبًا لهذا المذهب على المذهب المنافس (البصري) . ويتضح عدم تعصبه في إعجابه الشديد بإمام العربية وعالمها الأول اللغوي البصري الخليل بن أحمد الفراهيدي، فقد تأثر به ونقل عنه. وكذلك الحال بالنسبة إلى ابن دريد البصري، غير أن هذا الإعجاب والتأثير لم يمنعا ابن فارس من نقد العين والجمهرة في المواطن التي يراها ابن فارس معارضة لمواقفه اللغوية. ولعلنا منذ الآن نطمئن على حقيقة أن التعصب المذهبي لم يكن الدافع لابن فارس في مآخذه ومن ثم نقده للعين والجمهرة.
ويظهر هذا جليًا في عبارته التي صدّر بها مصادره الخمسة إذ يقول:"فأعلاها وأشرفها ..." (3) وهذا يدلنا على مكانة الخليل وكتابه العين لدى ابن فارس الذي استصفى من كل كتب اللغة خمسة، وجعل العين ذروة سنام هذه الخمسة.
ومن الجدير بالذكر أن عددًا من اللغويين والدراسين من قدامى ومحدثين قد شككوا في نسبة العين إلى الخليل، ولهم في ذلك ثلاثة مذهب: أ) إنكار نسبة العين إلى الخليل؛ ب) إقرار نسبة العين إلى الخليل؛ ج) ومذهب ثالث يرى أن الخطة والمنهح هما للخليل، وأما حشو المادة فهو لغيره، وعزا عدد من الدراسين حشو المعجم إلى الليث بن المظفر. (4)