الصفحة 9 من 17

صاحبه حق الرجاء وذمامة التأميل، وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير بدأ في المديح فبعثه على المكافأة وهزَّه للسماح، وفضّله على الأشياء وصغّر في قدره الجزيل [1] . فما مدى صدق هذا في قصائد الدواوين موضوع الدراسة؟

خلا كثير من قصائد هؤلاء الشعراء التي بدأت بمقدمات طللية من عنصر الرحلة، فلم يصور امرؤ القيس [2] مثلًا رحلة إلى ممدوح في جميع قصائده التي بدأها بمقدمات طللية، وهذا شأن عنترة [3] في قصائده المبدوءة، بالأطلال، وجاءت رحلة في إحدى قصائد النابغة رحلة سريعة بعدد قليل من الأبيات خلت من تصوير معاناة الشاعر أو ناقته يقول [4] :

فلا بد من عوجاءَ تَهوى بِراكِبٍ ... إلى ابن جلاح سيرُها الليل قاصِد

تخبِّ إلى النّعمان حتى تناله ... نَدىً لك من ربّ طريفيِ وتالد

وكذلك مدح النابغة النعمان بن الحارث، دون مقدمة في قصيدة بدأها بقوله [5] :

إن يرجع النعمان نفرح ونبتهج ... ويأت معّدًا ملكها وربيعها

وصور زهير بن أبي سلمى رحلة في معلقته التي مدح فيها هرم من سنان والحارث بن عوف، ولكنها كانت رحلة ظُعن لم يكن غرضها الوصول إلى الممدوح، بل جاءت صورة رحلة الظعن غاية في الراحة والاطمئنان والدعة والترف والجمال يقول [6] :

ظَهَرنَ من السّوبان ثُم جَزعْنَه ... على كلّ قينِيّ قَشيب مُفَأّم

كأن فتاتَ العهْن في كلّ منزلٍ ... نَزلْنَ به حَبُّ الفنا لم يُحطَّم

فلما وردنَ الماء زُرقًا جمامُه ... وضَعْن عِصيَّ الحاضِرِ المتخيِّم

وجاءت رحلة للمثقب العبدي غير مقرونة بمقدمة طللية في نونيته المشهورة وجاءت صورة الرحلة على عكس ما ذكر ابن قتيبة، إذ صور المثقب نفسه قوية مطمئنة، حازمًا أشد الحزم، وكذلك صور ناقته قوية سمينة، يقول مصورًا ناقته أثناء الرحلة [7] :

تَصَكّ الجانبين بمُشفترٍ ... له صوتُ أَبحُّ من الرَنين

كأنَّ نَفِيَّ ما تنفى يَداها ... قِذافُ غريبةٍ بيديْ مُعين

(1) ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ج 1، ص 81.

(2) انظر: الديوان، ص 140.

(3) انظر: الديوان، عدة صفحات.

(4) الذيباني، النابغة (1977) ، الديوان، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، مصر، ص 140.

(5) المصدر السابق، ص 107، 183، 195.

(6) ابن أبي سلمى، زهير، (1980) ، الديوان، ط 1، تحقيق: فخر الدين قيادة، دار الآفاق الجديدة، دار صادر، بيروت، ص 13.

(7) المثقب العبدي، الديوان، ص 178، 179، 203، 205.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت