ويقول مصورًا ناقته في آخر الرحلة:
فأبقى يا طِلي والجدّ منها ... كدكّان الدّرابِنَةِ المَطِينِ
فرحت بها تُعارِضُ مسْبِكّرًّا ... على ضحضِاحةٍ وعلى المُتون
وقد وقف أكثر من باحث [1] عند هذه النفسية القوية الحازمة وفسروا ذلك بالوحدة النفسية في نونية المثقب، لقد كان حازمًا أشد الحزم مع فاطم [2] :
فإني لو تُخالِفُني يَميني ... خلافَكِ ما وَصَلتُ بها يَميني
إذنْ لقطعتُها ولقلتُ بينِي ... كذلك أجْتَوي من يَجتَويني
وكان حازمًا ما مع عمرو بن هند [3] :
فإما أن تكونَ أخِي بحَقّ ... فأعْرفُ منكَ غثِّى أَو سَميني
وإلا فاطَّرْحني واتَّخذْنِي ... عَدوّا أجْتويك وتجتويني
فأين هذا من المعاني التي ذكرها ابن قتيبة؟ إن صورة الرحلة المتنوعة توجب علينا تعمق صورة الرحلة، ونرد قول ابن قتيبة، و يمكن تبرير ذلك بأنه لم يستقصي الشعر العربي بتمامه، ولا نقتنع بتفسير وهب رومية [4] ، بأن الرحلة هي تخلص فني من موضوع إلى موضوع، والأولى ربط الرحلة بنفسية الشاعر كما ذكرنا، و هذا ما ألتفت إليه بجلاء أنور أبو سويلم عندما ذكر أن الشعراء كانوا يلوذون إلى الناقة و يتوسلون إليها ... علّها تخلصهم من الهمّ المقيم و المخاوف الناصبة [5] .
ومن القصائد التي تمثل ذلك قصيدة النابغة الذبياني في مدح النعمان بن المنذر، حيث بدأ قصيدته تلك بمقدمة طلليلة صوّر فيها الدمن البالية الدارسة و ما اعتراها من متغيرات جرّاء الرياح السوافي، و الأمطار، و صوّر الحيوانات التي تسرح في أفنائها إذ يقول [6] :
أمِن ظلاّمة الدّمن البوالي ... بُمْرفَضّ الحُبيّ إلى وُعالِِ
فأمواه الدُّنا فعوير ضاتٍ ... دوارسَ بعد أحياءٍ حِلالِ
تأبّد لا ترى إلا صُوراَ ... بمرقومٍ عليه العهدُ خالِ
تعاورها السّواري و الغوادي ... وما تذرى الرّياحُ من الرّمال
(1) عطوان، حسين، مقدمة القصيدة العربية في العصر الجاهلي، ص 188، 189. ربابعة، موسى، (1998) ، النص الشعري الجاهلي، مكتبة حمادة، اربد، ص 91.
(2) المثقب العبدي، الديوان، ص 138، 121.
(3) السابق، ص 211، 212.
(4) رومية، وهب، (1982) ، الرحلة في الشعر الجاهلي، ط 3، بيروت، مؤسسة الرسالة، ص 61.
(5) أبو سويلم، أنور (1983) ، الإبل في الشعر الجاهلي، دار العلوم، الرياض، ج 1، ص 58.
(6) النابغة، الديوان، ص 49.