إن النظرة العميقة إلى نتائج الإحصاءات تشير بشكل قاطع إلى أن نسبة المقدمة الطللية هي نسبة قليلة جدًا بصورة لافتة، على عكس ما كاد يستقر في الأذهان، ويكفي أن نشير إلى أن أكثر الشعراء قصائد وهو امرؤ القيس، كان عدد المقدمات أربع عشرة مقدمة فقط، وهو الشاعر الذي كان ابن قتيبة قد ذكره على أنه السبّاق إلى تقاليد القصيدة الجاهلية. ويكفي أن نلحظ أيضًا أن بعض الشعراء قدموا قصائدهم بمقدمة واحدة فقط مثل قيس بن الخطيم، أو بمقدمتين فقط مثل الحارث بن حلزة، وأكثر اندهاشًا أن ديوان عمرو بن كلثوم خلا ديوانه الذي يضم خمسًا وثلاثين قصيدة من أي مقدمة طللية، بل إن المقدمة الوحيدة في ديوانه [1] كانت مقدمة خمرية، هي:
ألا هُبّي بصحنِكِ فأصْبحينا ... ولا تُبقي خمورَ الأنْدرَينا
وقد استغرب حسين عطوان هذه الظاهرة وعدَّها مشكلة [2] واجتهد في محاولة تفسيرها، في حين أرى أن الظاهرة لا تخرج عن خاصية التنوع في المقدمات الجاهلية، أما لماذا كانت خمرية، فلأن عمرو بن كلثوم قالها تحت نشوة الانتصار والفخر والأنفة، بعدما واجه عمرو بن هند، والخمر هنا ترمز إلى الزهوّ بالغلبة والنصر، وبخاصة أن الخمر الممزوجة بالماء الساخن ترمز إلى الغضب، كما يقول المرحوم نصرت عبد الرحمن [3] ولذلك أكثر عمرو بن كلثوم من الاعتزاز بقبيلته قوةً وكثرةً وأنفةً، يقول:
ملأنا البَرّ حتّى ضاقَ عنّا ... وماء البحر نملؤُه سفينًا
ونشربُ إن وردَنا الماءَ صَفْوًا ... ويشربُ غَيرنَا كدِرًا وطِينا
بأنّا التاركونَ إذا سخطْنا ... وأن الآخِذُون إذا رَضِينا
وقد قال أحدهم عن قبيلة تغلب"لو أبطأ الإسلام لأكلت تغلب الناس" [4] .
أشار ابن قتيبة إلى ركن ثان من نظام القصيدة الجاهلية ألا وهو الرحلة، وجعل تلازما بين الأطلال والرحلة والمدح عند الشعراء الجاهلين وصورة الرحلة، كما يرى ابن قتيبة صورة غاية في المعاناة والمشقة بالنسبة للشاعر و بالنسبة لناقته، حيث يشكو الشاعر النصب والسهر. وسرى الليل، وحرَّ الهجير وانضاء الراحلة والبعير فإذا علم أنه قد أوجب على
(1) ابن كلثوم، عمرو، (1999) ، الديوان، تقديم وشرح: عبد القادر، محمد، دار القلم، حلب، ص 77.
(2) حسين عطوان، مقدمة القصيدة العربية، ص 173.
(3) عبد الرحمن، نصرت، (1976) ، الصورة الفنية في الشعر الجاهلي، في ضوء النقد الحديثة، مكتبة الأقصى، عمان، ص 167.
(4) محمد، عبد القادر، (1999) ، ديوان عمر بن كلثوم (المقدمة) ، ص 11.