جاءت متشابهة متماثلة عند الشعراء الجاهلين، متأثرين أو متفقين - أقصد الباحثين - مع مقولة ابن قتيبة التي سمعها عن بعض أهل الأدب والتي ترسم صوى القصيدة الجاهلية، وهي"أن مقصِّد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار فبكى وشكا وخاطب الربع واستوقف الرفيق ..." [1] .
وعدَّ ابن رشيق القصيدة التي تخلو من المقدمة الطللية قصيدة بتراء [2] أو شوهاء وقد وُصف نظام القصيدة هذا بأنه نظام قسري [3] ، من شأنه أن يلغي ذاتية الشعراء الجاهلين وذوقهم وإبداعهم، وما كان الشاعر الجاهلي كذلك، وجاءت دراستي لتجيب على بعض التساؤلات التي كانت الإجابة عليها مسلَّمًا بها، وهي:
-ما مدى شيوع المقدمة الطللية في الشعر الجاهلي؟ ولا يدخل ضمن هذا الشعر موضوعات لاحظ بعض الباحثين خلوها من مقدمات مثل شعر الرثاء وبخاصة الرثاء الخالص، أو شعر الصعاليك، أو شعر الحنين، وإنما موضوعات الشعر الجاهلي التي يؤكد القدماء والمحدثون أن المقدمة وبخاصة الطللية لازمة من لوازمها، أو تقليد متبع ترسخ عند الشعراء الجاهليين.
-ما مدى اقتران المقدمة الطللية بالمديح؟
-ما مدى اقتران المقدمة الطللية بالرحلة؟
-هل جاءت صورة المقدمة الطللية نمطية أو متشابهة أم جاءت متنوعة مختلفة؟
ولم أشأ أن أثقل دراستي بآراء القدماء والمحدثين، مما يجعلها نظرية الطابع، بل اعتمدت على النصوص الشعرية واستنطاقها، من خلال سبعة عشر ديوانًا جاهليًا، والنظر فيها قصيدة قصيدة بل بيتًا بيتًا، وتوخيت أن يكون الشعراء متباعدين من حيث الزمان والمكان والقبائل.
يؤكد بعض الباحثين أن المقدمة الطللية من لوازم القصيدة الطويلة في الشعر الجاهلي [4] أو هي كثيرة كثرة واضحة [5] غير أن النتائج الإحصائية للدواوين موضوع الدراسة جاءت على عكس ذلك تمامًا، وقد أتت كالآتي:
(1) الدينوري، ابن قتيبة، (1977) ، الشعر والشعراء، ط 3، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار المعارف، مصر، ج 1، ص 80.
(2) القيرواني، ابن رشيق، (1963) ، العمدة، ط 3، تحقيق: محي الدين عبد الحميد، مصر، مطبعة السعادة، ج 1، ص 231.
(3) بكار، يوسف، (1979) ، بناء القصيدة العربية، القاهرة، دار الثقافة، ص 280.
(4) أبو سويلم، أنور (1985) ، صورة المطر في الوقفة الطللية الجاهلية، مجلة الدراسات، م 12، عدد 8، 1985 م، ص 209.
(5) بكار يوسف، بناء القصيدة العربية، ص 80.